×

د. علي صالح موسى يكتب :- تحركات عربية مهّدت لولادة الجامعة العربية

الأربعاء 19 أغسطس 2026 06:26 مـ 5 ربيع أول 1448 هـ
د. علي صالح موسى يكتب  :- تحركات عربية مهّدت لولادة الجامعة العربية


     يحاول هذا المقال والذي هو جزء من مجموعة مقالات لكتاب قيد الإصدر يتناول المراحل والصعوبات والنشاطات ووجهات النظر المختلفة التي برزت خلال المرحلة  الأولى لتأسيس الجامعة، ومراحلها اللاحقة ، وفي الوقت نفسه الإشارة إلى المحاولات السابقة للوحدة، وخاصة ما أفرزته الحرب العالمية الأولى من نتائج وموقع العرب في سياقها، وكذلك الحرب العالمية الثانية.
  في الثاني والعشرين من شهر مارس من عام 1945، انعقد في قصر الزعفران في القاهرة مؤتمر عربي برئاسة رئيس مجلس وزراء المملكة المصرية، إيذانًا بقيام أول كيان عربي رسمي سُمّي «جامعة الدول العربية»؛ فقد شهد هذا القصر توقيع مندوبي الدول العربية على الميثاق، بعد أن أقرّت اللجنة التحضيرية المكوّنة من شرق الأردن1 والسعودية وسوريا والعراق ولبنان ومصر واليمن، بتاريخ 17 مارس 1945، الصيغة النهائية لميثاق جامعة الدول العربية، آخذةً في الاعتبار المقترحات والصياغات التي أعدّها الدكتور عبد الحميد بدوي أستاذ القانون الدولي2، وأُعلن عن الميثاق بتاريخ 19 مارس 1945 مؤلفًا من ديباجة وعشرين مادة وثلاثة ملاحق.
  وكان اختيار هذا الاسم قد شهد نقاشًا بين الوفود المؤسِّسة؛ إذ اقترح وفد سوريا اسم «التحالف العربي»، واقترح وفد العراق اسم «الاتحاد العربي»، إلا أن الوفد المصري رأى أن اسم «الجامعة العربية» الذي تقدّم به أكثر ملاءمة من الناحيتين اللغوية والسياسية، وأكثر توافقًا مع أهداف الدول العربية، وفي النهاية وافق الجميع على هذا الاسم بعد أن تم  تنقيحه  من «الجامعة العربية» إلى «جامعة الدول العربية».
ومهما قيل في خلفيات نشوئها ونشاطها وإنجازاتها - وسنستعرض كل ذلك لاحقًا - سلبًا كان أو إيجابًا، فإن وجودها يُعدّ أكبر حدث في التاريخ العربي المعاصر، يجسّد إرادة الأمة العربية بأسرها.
      الحرب العالمية الأولى وحلم الكيان العربي الواحد
رسالة الملك عبد العزيز آل سعود
قُبيل الحرب العالمية الأولى بقليل، وبالتحديد في عام 1912، اتصلت الحكومة العثمانية، عن طريق واليها في البصرة شفيق كمالي باشا، بالأمير (الملك) عبد العزيز آل سعود، تستطلع رأيه في أوضاع البلاد العربية ومستقبلها، وذلك في محاولة للتقرب من العرب والتصدي للدول الغربية الطامعة في البلاد الواقعة في قبضة الدولة العثمانية. فكتب الأمير عبد العزيز إلى الوالي العثماني يقول: «إني أرى أن تدعو رؤساء العرب كلهم، كبيرهم وصغيرهم، إلى مؤتمر يُعقد في بلد لا سيادة ولا نفوذ فيه للحكومة العثمانية، لتكون لهم حرية المذاكرة، والغرض من هذا المؤتمر التعاون والتآلف، ثم تقرير أحد أمرين: إما أن تكون البلاد العربية كتلة سياسية واحدة يرأسها حاكم واحد، وإما أن تقسموها إلى ولايات تحددون حدودها، وتقيمون على رأس كل ولاية رجلًا كفؤًا من كل الوجوه، وتربطونها بعضها ببعض برباط عام مشترك من المصالح والمؤسسات، وينبغي أن تكون هذه الولايات مستقلة استقلالًا إداريًا، وتكونوا أنتم المشرفين عليها، فإذا تم ذلك فعلى كل أمير عربي أو رئيس ولاية أن يتعهد بأن يعضد زملاءه ويكون وإياهم يدًا واحدة على كل من تجاوز حدوده أو أخلّ بما هو متفق عليه بيننا وبينكم»3. وتحمل هذه الرسالة في دلالاتها قوة شخصية الملك وتطلعه إلى قيام دولة عربية واحدة، أو فيدرالية عربية مترابطة بالمصالح المشتركة والتضامن القومي.
وخلال هذه الحرب انقسم القادة العرب إلى فريقين: انحاز الأول إلى الاحتفاظ بولائه للخلافة العثمانية خوفًا من الدول الأوروبية التي كانت طامعة في اقتسام مخلفات الدولة العثمانية، وانحاز الثاني إلى معسكر الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا العظمى، خوفًا من أن يعمل العثمانيون في حالة انتصارهم على «تتريك» الأمة العربية وطمس وجودها القومي.
   وأسرعت الدولة العثمانية فوضعت اتفاقية رسمية مع الجانب العربي تمنح الأقطار العربية درجة عالية من الحكم الذاتي، وقد وقّع على هذا الاتفاق عن الجانب العربي السيد عبد الكريم الخليل، رئيس المنتدى العربي ومعتمد الشبيبة العربية، وعن الجانب العثماني طلعت باشا وزير الداخلية العثماني4.ثم تطورت المفاوضات إلى مرحلة أرقى في اتجاه الفيدرالية العربية التركية، تقوم بموجبها ملكية مزدوجة تركية عربية، ويكون مركز الحكومة العربية مدينة حلب، وتسمى «الدولة العربية التركية»، وكان من المفاوضين العرب في تلك الحقبة محمود شوكت باشا العراقي وعزيز علي باشا المصري.
أما على صعيد الحلفاء، فقد كان الكيان العربي كذلك محور المفاوضات بين القيادات العربية في الشام والعراق والحجاز، ممثلةً في الشريف حسين أمير مكة من جانب، ودول الحلفاء من الجانب الآخر. وقد وردت تفاصيل تلك المفاوضات في مراسلات حسين – مكماهون5، وبلغت عشر رسائل ابتداءً من 14 يوليو 1915 إلى 10 مارس 1916، وهي رسائل مفصّلة مطوّلة تؤلّف في مجموعها، من الناحية الدولية، تحالفًا عسكريًا وسياسيًا بين طرفين: العرب والحلفاء، ومجملها يؤكد حق العرب في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وتمكين الأقطار العربية الواقعة تحت السيطرة العثمانية من إقامة الكيان القومي الذي تختاره.
 غير أن الحلفاء لم يكونوا صادقين في وعودهم؛ ففي 24 يوليو من عام 1920 زحفت القوات الفرنسية على دمشق، وخرج الملك فيصل وحكومته من عاصمة المملكة العربية التي لم يكن مقدّرًا لها إلا أن تعيش عمر الربيع في الغوطة الفيحاء6.
فتلك الوعود جرى خرقها بتقسيم فرنسا وبريطانيا للمنطقة باتفاقية سايكس - بيكو السرية في مايو 1916، التي كُشف عنها عام 1917 مع وصول الشيوعيين إلى الحكم في روسيا. وتلك كانت سيرة الكيان العربي في غضون الحرب العالمية الأولى: عاش أملًا كبيرًا في ضمير الأمة العربية، ثم اغتاله الحلفاء.
العرب والحرب العالمية الثانية
نوري السعيد والكتاب الأزرق
  في 14 يناير من عام 1943 بعث نوري السعيد، رئيس وزراء العراق آنذاك، إلى وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط المقيم في القاهرة ريتشارد كيسي، مذكرة خاصة بعنوان «استقلال العرب ووحدتهم». طُبعت المذكرة في كتيّب أنيق غلافه أزرق فعُرفت باسم «الكتاب الأزرق»، وعُرف مشروع نوري السعيد باسم «الكومنولث العربي»، ثم باسم «الهلال الخصيب». وقد دعا فيه إلى أن «يعاد توحيد سوريا ولبنان وشرق الأردن في دولة واحدة»، وإلى إنشاء «عصبة عربية ينضم إليها العراق وسوريا فورًا، والدول الأخرى متى شاءت»، وأن «يُمنح اليهود في فلسطين إدارة شبه ذاتية»، وأن يُمنح الموارنة في لبنان إدارة ممتازة، كما كان الوضع قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية.
الهوامش
1. ومنذ 25 مايو 1946 أصبح اسمها «المملكة الأردنية الهاشمية».
2. الدكتور عبد الحميد بدوي باشا (13 مارس 1887 – 4 أغسطس 1965)، كبير المستشارين الملكيين في الحكومة المصرية، أدخل تعديلات على البروتوكول آخذًا في اعتباره وجهة النظر السعودية، وبعدها وافقت المملكة على التوقيع على الميثاق يوم 22 مارس. المرجع: جميل عارف، شاهد على مولد جامعة الدول العربية: الوثائق السرية لدور مصر وسوريا والسعودية، الدولية للإعلام والنشر، 1995، ص 10.
3. أحمد الشقيري، الجامعة العربية: كيف تكون جامعة عربية وكيف تصبح عربية، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1979، ص 16.
4. أحمد الشقيري، مرجع سابق، ص 18.
5. المقدم السير هنري مكماهون (Sir Henry McMahon)، الممثل الأعلى لملك بريطانيا في مصر، اشتهر بمراسلاته مع شريف مكة.
6. أحمد الشقيري، مرجع سابق، ص 23.