×

كلوديا إسبوزيطو: طوني ماريني واجهت الصورة النمطية عن الثقافة الأمازيغية

الإثنين 5 أكتوبر 2026 08:49 مـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
كلوديا إسبوزيطو: طوني ماريني واجهت الصورة النمطية عن الثقافة الأمازيغية

في ندوة احتضنتها فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، استحضرت كلوديا إسبوزيطو، أستاذة الأدب الفرنسي والناقدة الفنية بجامعة ماساتشوستس بوسطن، المسار الفكري والفني للكاتبة والناقدة الإيطالية طوني ماريني، متوقفة عند تجربتها في المغرب ودورها في بناء جسور جديدة بين الفن والتعليم والمجتمع، مؤكدة أن إرثها لم يكن قائمًا على فرض الأفكار، وإنما على العمل المشترك والإنصات والتفاعل مع الفنانين والمثقفين والمجتمعات.

وقالت إسبوزيطو، التي تدرّس منذ أكثر من عقدين وتشتغل على قضايا الأدب والثقافة المرتبطة بالمنطقة، إن إحدى السمات الأساسية في تجربة طوني ماريني تتمثل في مفهوم «الكتابة مع»، أي الكتابة والعمل إلى جانب الآخرين، وليس نيابة عنهم أو من موقع الوصاية عليهم. واعتبرت أن هذا المنهج يفسر جانبًا كبيرًا من حضور ماريني في المشهد الثقافي والفني المغربي، حيث اختارت أن تكون جزءًا من عمليات الإبداع والتفكير الجماعي، بعيدًا عن صناعة صورة شخصية أو البحث عن المجد الفردي.

وأشارت إلى أن ماريني، رغم إسهامها البارز في تاريخ الفن المغربي، ظلت في كثير من الأحيان تفضل العمل من الخلف، متجنبة تحويل تجربتها إلى نصب تذكاري شخصي، وهو ما جعل أثرها ممتدًا في مؤسسات ومجلات ومشاريع فنية وتربوية متعددة.

وتوقفت إسبوزيطو عند مساهمات ماريني في عدد من المنابر الثقافية والفنية، من بينها مجلتا «أنفاس» (Souffles) و**«إنتيغرال» (Intégral)**، إلى جانب مساهماتها في كتالوجات المعارض والنصوص النقدية والمبادرات التعليمية، مشيرة إلى أن نشاطها لم يكن محصورًا في مدينة أو مؤسسة بعينها، بل امتد إلى تجارب ثقافية وفنية في الدار البيضاء ومراكش وبغداد ومينيسوتا وغيرها.

وفي الجانب التربوي، أبرزت إسبوزيطو تجربة ماريني في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، حيث عملت على تقديم رؤية عابرة للتخصصات للفن، تربط التجربة المغربية بامتداداتها الإفريقية والمتوسطية، وتدفع الطلاب إلى النظر إلى الفن باعتباره جزءًا من تاريخ ثقافي أوسع.

كما استحضرت دورها في تنظيم ورشات فنية للأطفال، معتبرة أن هذه المبادرات ساهمت في إخراج الفن من أسوار المؤسسات الأكاديمية إلى الفضاء العام والحياة اليومية، وجعلت الممارسة الفنية متاحة أمام فئات أوسع من المجتمع.

من الفن إلى الاعتراف بالثقافة الأمازيغية

وتناولت إسبوزيطو جانبًا آخر من تجربة طوني ماريني، يتمثل في اهتمامها بالثقافة الأمازيغية، ومواجهتها للتصورات الاستعمارية التي تعاملت مع الثقافة الأمازيغية باعتبارها صورة ثابتة من الماضي أو مجرد فولكلور.

وأوضحت أن ماريني نظرت إلى الفنون التقليدية، من النسيج وصناعة الزرابي والحلي إلى العمارة، باعتبارها أنظمة رمزية حية ومتطورة، تحمل داخلها إمكانات جمالية ولغات فنية يمكن قراءتها ضمن أسئلة الفن الحديث والمعاصر.

واعتبرت أن هذا الاشتغال المبكر أسهم في وضع أسس مهمة لفهم الثقافة الأمازيغية والاعتراف بحضورها ضمن المشهد الثقافي والفني، بعيدًا عن النظرة الاختزالية التي تختزلها في الماضي أو في الجانب الفولكلوري وحده.

الأدب بوصفه ذاكرة ومساحة للمستقبل

واستندت إسبوزيطو في قراءتها لتجربة ماريني إلى عدد من أعمالها الأدبية، من بينها «آخر شاي في مراكش» (Ultimo Tè a Marrakech)، الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي، وتضمن نصوصًا تستعيد جوانب من تجربتها وذاكرتها، من بينها صورة شابة إيطالية تكتب بيانًا من أجل تجديد ثقافي في مقهى بطنجة عام 1963.

كما توقفت عند ديوان «رسالة الهجرة» (Message d'émigration) الصادر عام 1976، مستحضرة ما يحمله من تصور للصلة بين الإنسان والمستقبل، ومن بينها العبارة التي تعبّر عن وجود «حبل سري نحو مستقبل العالم».

وربطت الباحثة هذه الرؤية بما وصفته باستمرار فكرة الزمن لدى ماريني خارج التصور الخطي التقليدي؛ فالماضي والحاضر والمستقبل لا تظهر في تجربتها كحقب منفصلة، وإنما تتداخل وتعود إلى بعضها البعض من خلال الذاكرة والإبداع وإعادة اكتشاف التجارب السابقة.

وفي هذا السياق، استحضرت فيلم «ذاكرة المستقبل» (Mémoire Future)، الذي أنجزته ابنتها موجة ماريني المليحي عام 2024، معتبرة أن الفيلم يمثل امتدادًا لذاكرة عائلية وثقافية وفنية تنتقل بين الأجيال.

«حبل سري» يصل الأجيال

وفي ختام مداخلتها، ركزت إسبوزيطو على مفهوم الانتقال بين الأجيال في تجربة طوني ماريني، معتبرة أن الإرث الثقافي لا ينتقل باعتباره مادة جامدة، وإنما يعاد تفسيره وإنتاجه في كل جيل.

ورأت أن تجربة نساء من أجيال متعاقبة، مثل توبازيا ألياتا وطوني ماريني وموجة ماريني المليحي، تكشف عن مسار متواصل من نقل المعرفة والذاكرة والتجربة، في علاقة تشبه الحبل السري الممتد نحو المستقبل.

وبذلك قدمت إسبوزيطو طوني ماريني ليس فقط بوصفها ناقدة فنية أو كاتبة، وإنما باعتبارها شخصية اختارت أن تجعل من الثقافة فعلًا جماعيًا، ومن الفن وسيلة للحوار بين المجتمعات والأجيال، ومن الكتابة مساحة للإنصات إلى الآخر وبناء المستقبل معه.