المدينة العتيقة بأصيلة.. متحف مفتوح بين عبق الماضي وإبداع الحاضر
في أصيلة لا يحتاج الزائر إلى دخول متحف كي يلتقي بالفن؛ يكفي أن يعبر أحد أبواب المدينة العتيقة، ويمضي بين أزقتها الضيقة، حتى يجد نفسه أمام فضاء مفتوح تتجاور فيه ذاكرة التاريخ مع ألوان الفن التشكيلي. هنا، تتحول الجدران البيضاء إلى لوحات، والأبواب الملونة إلى تفاصيل نابضة بالحياة، فيما تقف الأسوار التاريخية شاهدة على قرون من التحولات التي عرفتها هذه المدينة الأطلسية.
وتحمل أصيلة اليوم إرثاً ثقافياً ارتبط باسم موسم أصيلة الثقافي منذ انطلاق تجربته سنة 1978، بمبادرة من محمد بن عيسى وبالتعاون مع الفنان التشكيلي المغربي الراحل محمد المليحي، في مشروع جعل من الفن والثقافة وسيلة لإحياء المدينة وإعادة الاعتبار إلى فضائها التاريخي.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الفن نشاطاً منفصلاً عن المدينة، بل أصبح جزءاً من هويتها البصرية وذاكرتها اليومية، لتتحول أصيلة تدريجياً إلى فضاء مفتوح تتداخل فيه العمارة والتشكيل والثقافة مع تفاصيل الحياة.
أسوار تاريخية وذاكرة تمتد إلى البحر
تحتفظ المدينة العتيقة لأصيلة بطابعها المعماري المميز، وهي محاطة بأسوار تاريخية ارتبط جزء كبير منها بالفترة البرتغالية، فيما يطل جانب منها على المحيط الأطلسي. وتتخلل هذه الأسوار أبواب وأبراج تاريخية، بما يجعل التجول داخل المدينة رحلة بين طبقات متراكمة من التاريخ.
غير أن خصوصية أصيلة لا تكمن في عمارتها القديمة وحدها، وإنما في قدرتها على الجمع بين المحافظة على الذاكرة والانفتاح على الفن المعاصر. فالزائر الذي يعبر أزقتها يجد نفسه أمام مشهد تتجاور فيه البيوت البيضاء والنوافذ والأبواب الملونة مع جداريات وأعمال فنية جعلت من الجدار مساحة للإبداع.
وهكذا، تحولت المدينة العتيقة من مجرد فضاء تاريخي إلى جزء أساسي من التجربة الثقافية التي صنعتها أصيلة على مدى عقود.
من مشروع محمد بن عيسى والمليحي إلى مدينة للفن
عندما انطلقت تجربة موسم أصيلة الثقافي سنة 1978، كان الفن أحد أبرز المداخل التي اعتمد عليها المشروع لإعادة الحياة إلى المدينة العتيقة.
وكانت الجداريات من أبرز مظاهر هذا التوجه، إذ انتقل الفن من قاعات العرض إلى الجدران والأزقة، وأصبح متاحاً أمام السكان والزوار بشكل مباشر.
وبمرور السنوات، اتسعت التجربة لتشمل الندوات الفكرية والمعارض والورش الفنية واللقاءات الثقافية، وأصبحت المدينة نفسها جزءاً من الفعالية، لا مجرد مكان لاستضافتها.
ومن خلال مؤسسة منتدى أصيلة، واصل المشروع الثقافي والفني ترسيخ هذا التصور الذي يجعل من المدينة فضاءً للحوار بين الفنانين والمثقفين والجمهور.
حاتم البطيوي.. استمرار مشروع جعل المدينة فضاءً للثقافة
وفي امتداد هذا المسار، يبرز اسم حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، في مواصلة المشروع الثقافي الذي ارتبط بالمدينة وبموسمها الثقافي على مدى عقود.
ويقوم التصور الذي كرسته تجربة المنتدى على عدم عزل الثقافة عن محيطها، بل جعل المدينة نفسها جزءاً من الفعل الثقافي؛ فالندوات والمعارض والورش لا تنفصل عن الأزقة والأسوار والساحات والبيوت التاريخية التي تمنح أصيلة خصوصيتها.
وبذلك أصبحت أصيلة نموذجاً لمدينة تتفاعل فيها الثقافة مع المكان، ويشارك سكانها وزوارها في مشهد فني لا تحده جدران القاعات.
الجداريات.. حين يصبح الجدار ذاكرة
داخل المدينة العتيقة، تبدو الجداريات واحدة من أكثر العلامات ارتباطاً بهوية أصيلة الحديثة. فالجدران التي كانت جزءاً من البنية العمرانية للمدينة تحولت إلى مساحات يستضيف فيها الفن ألوانه وأشكاله ورؤاه.
ولا تقف أهمية هذه الجداريات عند قيمتها الجمالية، إذ أصبحت مع مرور الوقت جزءاً من ذاكرة المكان، شاهدة على تعاقب الفنانين وعلى الحضور المتواصل للفن في الحياة اليومية لأصيلة.
ومن هنا اكتسبت الجدارية في أصيلة معنى مختلفاً؛ فهي لا تعرض داخل قاعة مغلقة ولا تنفصل عن الجمهور، وإنما تواجه المارة والسكان والزوار، وتعيش في قلب المدينة وبين تفاصيلها.
المدينة العتيقة.. متحف مفتوح على الأطلسي
ولعل المشهد الأكثر تعبيراً عن خصوصية أصيلة يظهر في التقاء الأسوار التاريخية باللون الأبيض والجداريات والفن المعاصر والبحر.
فمن أعلى الأسوار، تبدو المدينة القديمة كأنها لوحة متكاملة؛ الأزقة المتعرجة، والبيوت البيضاء، والأبواب الملونة، والجدران التي تحمل آثار التجارب الفنية، فيما يمتد المحيط في الأفق.
هذا التداخل بين التاريخ والفن هو الذي منح أصيلة صورتها الخاصة، وحوّل المدينة العتيقة إلى فضاء ثقافي مفتوح لا يحتاج إلى تذاكر دخول ولا إلى قاعات عرض.
أصيلة.. ذاكرة يصنعها الفن
لم يعد من الممكن الفصل بين المدينة العتيقة لأصيلة وبين التجربة التي راكمها موسم أصيلة الثقافي منذ 1978. فقد ساهم المشروع الذي أطلقه محمد بن عيسى بالتعاون مع محمد المليحي في جعل الفن أحد أدوات إعادة اكتشاف المدينة وإحياء فضائها، قبل أن تتوسع التجربة وتصبح مؤسسة منتدى أصيلة منصة ثقافية وفكرية وفنية تستقطب أسماء من المغرب والعالم.
وفي هذا المسار، ظل حضور المدينة العتيقة محورياً؛ فالفن لم يأتِ ليغطي على التاريخ، وإنما دخل في حوار معه، وحوّل بعض جدرانه إلى صفحات جديدة في ذاكرة المكان.
ومع استمرار أنشطة منتدى أصيلة، يظل هذا الإرث حاضراً في رؤية المدينة لنفسها: أصيلة ليست فقط مدينة ذات أسوار تاريخية، وليست فقط وجهة سياحية على المحيط الأطلسي، بل فضاء ثقافي تشكلت هويته الحديثة من تفاعل التاريخ والفن والفكر.
وهكذا، فإن السير في أزقة المدينة العتيقة لأصيلة لا يبدو مجرد جولة في معلم تاريخي، بل رحلة داخل ذاكرة مدينة اختارت أن تجعل من جدرانها مساحة للإبداع، ومن أسوارها شاهداً على تاريخها، ومن الفن جسراً يصل الماضي بالحاضر، ويمنح أصيلة حضوراً خاصاً على خريطة الثقافة والفنون.





