الدولية نيوز

بقعة مصرية تروي حكاية وطن.. من المقاومة إلى استقلال ليبيا

الخميس 20 أغسطس 2026 12:01 صـ 6 ربيع أول 1448 هـ
بقعة مصرية تروي حكاية وطن.. من المقاومة إلى استقلال ليبيا

في قلب أرض مصر، حيث احتضنت الصحراء يومًا أحلام رجال حملوا وطنهم في قلوبهم بعدما أُجبروا على مغادرة ديارهم، بدأت حكاية استثنائية من تاريخ ليبيا.. حكاية أناس لم ينكسروا أمام الاحتلال، ولم يسمحوا للغربة أن تطفئ في داخلهم حلم العودة، فكانت أرض اللجوء محطة انطلقت منها خطوات جديدة على طريق التحرير والاستقلال.

ففي هذه البقعة المصرية، سمحت الحكومة المصرية بإقامة المهاجرين السنوسيين الذين أخرجهم الاستعمار الإيطالي من ديارهم، لتتحول الأرض التي احتضنتهم في وقت المحنة إلى شاهد على فصل مهم من تاريخ النضال الليبي.

وفي يوم الجمعة 5 رجب 1359هـ، الموافق 9 أغسطس 1940، وقف الأمير إدريس المهدي السنوسي وسط المهاجرين، ورفع العلم السنوسي الأسود الذي يتوسطه الهلال والنجمة، في مشهد لم يكن مجرد رفع لراية، بل كان إعلانًا بأن الوطن ما زال حاضرًا، وأن راية ليبيا لم تسقط رغم سنوات الاحتلال والتضحيات.

وكانت ذكرى شيخ الشهداء عمر المختار، الذي ارتقى شهيدًا عام 1934، حاضرة في وجدان كل من حمل حلم تحرير ليبيا، لتبقى تضحياته وتضحيات رفاقه وقودًا لمسيرة لم تتوقف.

وفي نوفمبر 1940، تحرك الجيش من هذه البقعة للانضمام إلى الجيش الثامن البريطاني، وشارك في المعارك التي أسهمت في إنهاء الوجود الاستعماري الإيطالي في ليبيا، لتبدأ بعدها صفحة جديدة من تاريخ الوطن، صفحة كان عنوانها الأمل في بناء الدولة واستعادة القرار الوطني.

ومع مرور السنوات، لم تعد فكرة الاستقلال حلمًا بعيدًا، بل تحولت إلى حقيقة تكللت بقرار الأمم المتحدة في نوفمبر 1951 بشأن استقلال ليبيا، قبل أن يعلن الملك إدريس الأول استقلال البلاد رسميًا في 24 ديسمبر 1951.

وهكذا، لم تعد تلك البقعة المصرية مجرد مكان لجأ إليه الليبيون في زمن المحنة، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية الليبية، ومكانًا ارتبط بقصة شعب قاوم الاحتلال، وتمسك بوطنه، وحمل رايته حتى تحقق حلم الاستقلال.

إنها حكاية أرض احتضنت المهاجرين، وراية ارتفعت رغم الألم، ورجال لم يسمحوا للمنفى بأن يكون نهاية القصة، فكان من تلك البقعة فصل جديد في طريق ليبيا نحو الحرية.

واليوم، كلما استعيدت تفاصيل تلك المرحلة، يعود صوت التاريخ ليذكر الأجيال بأن الأوطان لا تُبنى فقط في أوقات الرخاء، وإنما تولد أحيانًا من رحم المحن، وأن الذاكرة التي تحفظ تضحيات الرجال هي الجسر الذي تعبر عليه الأجيال نحو المستقبل.