الدولية نيوز

من مكتبة الإسكندرية.. هشام عزمي: الملكية الفكرية تحمي ذاكرة الوطن وتصنع ذاكرة المستقبل

الجمعة 21 أغسطس 2026 02:12 مـ 7 ربيع أول 1448 هـ
جانب من اللقاء
جانب من اللقاء

أكد الأستاذ الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، أن حماية الذاكرة الوطنيةح لم تعد تقتصر على حفظ الوثائق والمخطوطات والمقتنيات، بل أصبحت ترتبط بإدارة حقوقها وحمايتها وإتاحتها بصورةح مسؤولة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي فرضتها الرقمنة وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها عزمي في المؤتمر السنوي السادس والعشرين للجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية، تحت عنوان «المكتبات والمتاحف والأرشيفات في خدمة ذاكرة الوطن والعالم»، والذي عقد يومي 19 و20 أغسطس الجاري، بحضور الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتور أحمد أمان، نائب رئيس الجمعية، ونخبة من المتخصصين.

وخلال كلمته التي حملتح عنوان «مستقبل الذاكرة الوطنية من منظور الملكية الفكرية»، أوضح رئيس الجهاز أن المكتبات والمتاحف والأرشيفات لا تمثل مجرد مستودعات لحفظ الكتب والوثائق والمقتنيات، وإنما تؤدي دورًا حضاريًا في حفظ ذاكرة المجتمع وتوثيق تطوره وصون نتاجه الفكري والثقافي.

وأشار إلى أن الذاكرة الوطنية تشمل ما يختاره المجتمع من معارف وثقافة وفنون وإبداعات وأحداث ووثائق وشهادات ومقتنيات ورموز وتجارب يرى أنها جديرة بالحفظ والنقل إلى الأجيال المقبلة، مؤكدًا أن ما يتم إنتاجه وتوثيقه اليوم سيشكل جزءًا من الذاكرة التي سيقرأ من خلالها الأبناء والأحفاد عصرنا الحالي.

وأوضح عزمي أن التحول الرقمي غيّر طبيعة إنتاج الذاكرة الوطنية، إذ أصبح الهاتف المحمول قادرًا خلال لحظات على إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات والنصوص وإتاحتها لملايين الأشخاص، وهو ما يفرض ضرورة ضمان أن تكون ذاكرة المستقبل موثقة وأصيلة وقابلة للحفظ والإتاحة، مع احترام الحقوق المرتبطة بها.

وشدد على أن امتلاك المؤسسة لنسخة مادية من كتاب أو لوحة أو وثيقة لا يعني بالضرورة امتلاكها حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها، مؤكدًا أن إدارة الحقوق أصبحت جزءًا من إدارة الذاكرة نفسها، وأن عملية الرقمنة لا تقتصر على الجانب التقني، بل تثير كذلك أسئلة قانونية تتعلق بحقوق المؤلف والإتاحة وإعادة الاستخدام.

وتناول رئيس الجهاز دور مختلف فروع الملكية الفكرية في حماية الذاكرة الوطنية، مشيرًا إلى أهمية حق المؤلف والحقوق المجاورة، ودور العلامات التجارية في حماية هوية المؤسسات الثقافية وقيمتها، فضلًا عن التصميمات والمؤشرات الجغرافية والمعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي، باعتبارها مجالات يمكن أن تربط التراث بالإبداع المعاصر وتحول عناصر الهوية الثقافية إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

كما سلط عزمي الضوء على التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي أمام منظومة الملكية الفكرية، خاصة ما يتعلق بتحديد الملكية والأصالة، واستخدام المصنفات والبيانات في تدريب النماذج، وحقوق المخرجات، والاستنساخ والتقليد، والتحولات التي طرأت على مفهوم الإبداع.

وحذر من أن التحدي لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى الهوية الثقافية، موضحًا أن الثقافة التي لا تحظى بتمثيل كافٍ ودقيق في البيانات الرقمية قد تكون عرضة للتهميش أو التشويه في بيئة الذكاء الاصطناعي.

وأكد أن حماية الذاكرة الوطنية في العصر الرقمي تعني كذلك ضمان حضور الثقافة واللغة والخصوصية الحضارية المصرية في البيانات التي تشكل «ذاكرة الآلة».

واستعرض رئيس الجهاز تطور منظومة الملكية الفكرية في مصر، بدءًا من النص الدستوري الذي أكد حماية حقوق الملكية الفكرية، مرورًا بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية عام 2022، ثم صدور القانون رقم 163 لسنة 2023 بإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية، وصولًا إلى بدء الجهاز ممارسة اختصاصاته.

وأوضح أن الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية تنظر إلى الملكية الفكرية باعتبارها أداة لتحقيق قيمة ثقافية واقتصادية واجتماعية، ودعم أهداف التنمية المستدامة، وليس مجرد وسيلة للحماية القانونية.

وأشار إلى أن الأهداف الرئيسية للاستراتيجية تتمثل في حوكمة البنية المؤسسية، وتهيئة البيئة التشريعية، وتفعيل المردود الاقتصادي للملكية الفكرية، ونشر الوعي بها بين فئات المجتمع المصري، بما يعزز الانتقال من مفهوم الحماية إلى تعظيم القيمة والاستفادة من الملكية الفكرية.

واختتم الدكتور هشام عزمي بالتأكيد على أن «الذاكرة الوطنية ليست مخزنًا للماضي؛ إنها مورد للمستقبل»، مشددًا على أن حماية الماضي لا تعني حفظه فقط، وإنما توثيقه وحماية الحقوق المرتبطة به وضمان أصالته وإتاحة استخدامه المشروع وتحويله إلى مصدر للمعرفة والإبداع والتنمية.

وأكد أن مستقبل الذاكرة الوطنية يتطلب شراكة وثيقة بين مؤسسات الذاكرة ومؤسسات الملكية الفكرية والمجتمع الإبداعي والباحثين والمطورين والقطاع الخاص، لضمان انتقال ذاكرة صحيحة وأصيلة ومتنوعة ومحترمة الحقوق إلى الأجيال القادمة وإلى منظومات الذكاء الاصطناعي.