الدولية نيوز

السفير علي صالح يكتب :- كواليس المشاورات التي صنعت الطريق إلى جامعة الدول العربية

الأحد 30 أغسطس 2026 12:49 مـ 16 ربيع أول 1448 هـ
السفير علي صالح يكتب :- كواليس المشاورات التي صنعت الطريق إلى جامعة الدول العربية

 
فلم تمضِ إلا ثلاثة أسابيع على التصريح البريطاني حتى ألقى مصطفى النحاس ، رئيس وزراء مصر، بيانا في مجلس الشيوخ قال فيه مانصه : إنني معني من قديم بأحوال الأمة العربية والمعاونة على تحقيق آمالها في الحرية والاستقلال، سواء في ذلك كنت في الحكم أم خارج الحكم، وقد خطوت خطوات واسعة صادفها التوفيق، فاتجه الحكم في بعض الأقطار العربية الاتجاه الشعبي الصحيح.وأضاف: ومنذ أن أعلن المستر إيدن تصريحه فكرت طويلا، ورأيت أن الطريق المثلى التي يمكن التوصل بها إلى غاية مرضية هي أن تتناول هذا الموضوع الحكومات العربية الرسمية، وانتهيت من دراستي إلى أنه يحسن بالحكومة (المصرية) أن تبادر باتخاذ خطوات في هذا السبيل، فتبدأ باستطلاع آراء الحكومات العربية المختلفة فيما ترمي إليه من آمال، كلٌ على حدة، ثم تبذل الجهود للتوفيق بين آرائها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ثم ندعوهم بعد ذلك إلى مصر معا في اجتماع ودي لهذا الغرض، حتى يبدأ السعي للوحدة العربية بجبهة متحدة بالفعل، فإذا تم التفاهم أو كاد، وجب أن يعقد في مصر مؤتمر لإكمال بحث الموضوع، واتخاذ ما يراه من القرارات محققا للأغراض التي تنادي بها الأمة العربية.
مشاورات الوحدة العربية 
  مصر تتبنى اجراء المشاورات الانفرادية مع الدول العربية
     تبنت مصر إجراء المشاورات الانفرادية مع الدول العربية، وقد وفرت هذه المشاورات صورة عن واقع الحال وعن تفكير الأطراف في موضوع الوحدة، وكانت كالتالي:
أولا: وفد العراق وكان برئاسة نوري السعيد رئيس وزراء العراق، واستمرت المشاورات معه على مدى أربع جلسات من 31 يوليو إلى 16 أغسطس 1943. وتم الاتفاق على التعاون السياسي ويشمل الدفاع والشؤون الخارجية ويلحق بذلك حماية الأقليات، والتعاون الاقتصادي ويشمل العملة والمواصلات والجمارك والتبادل التجاري بوجه عام، والتعاون الثقافي والاجتماعي ويشمل التعليم وما يتصل به.
وكان موقف الوفد المصري موقف الاستطلاع والاستجلاء، دون أن يبدي رأيا محددا في اتجاه الوحدة أو التعاون. وكان الوفد العراقي قال إن : اتحاد البلاد العربية بإيجاد حكومة مركزية لا يمكن تحقيقه في الظروف الحاضرة، بسبب الصعوبات الخارجية وما بين البلاد العربية من تفاوت في الأحوال والاقتصاديات والثقافة، وإنه لا يمكن تصور حكومة مركزية، والبحث وراء هذا ضياع للوقت. واتفق الوفدان على استبعاد فكرة الحكومة المركزية للجميع. وقدم نوري السعيد اقتراحين: الأول قيام اتحاد له سلطة تنفيذية تحدد في نظام أساسي تقبله الدول العربية التي تريد الدخول في الاتحاد، ويكون للاتحاد جمعية تمثَل فيها الدول العربية، وله رئيس منتخب أو معين تعاونه لجنة تنفيذية لمعالجة الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ولقراراتها قوة تنفيذية على الدول الداخلة في الاتحاد، وتلتزم كل دولة بتنفيذ القرارات ولو كانت مخالفة لرأي مندوبيها؛ والثاني إقامة اتحاد على أساس أن قراراته لا تكون ملزمة إلا لمن يقبلها .وهذه الأفكار التي تناولها نوري السعيد كانت في مجملها ماتم تضمينه في كتابه الأزرق .
 وكان  الوفد الاردني برئاسة توفيق أبو الهدى رئيس وزراء الأردن، وقد استغرقت الجلسات الفترة من 28 أغسطس إلى سبتمبر 1943، وتناولت موضوعين: الأول يتصل بمشروع سوريا الكبرى، والثاني بالوحدة العربية بصورة عامة. وبذل الوفد الأردني جهده لإقناع مصر بمشروع سوريا الكبرى من حيث المبدأ، ثم ليناشدها أن توافق على هذا المشروع وتعمل على تحقيقه، واتفق مع نوري السعيد في أهمية السعي لإيجاد سوريا الكبرى، على أن تشترك بعد تكوينها في التعاون مع الدول العربية الأخرى.
وكان وفد المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ يوسف ياسين، وبدأت المشاورات في 26 أكتوبر 1943 واستغرقت خمس جلسات، وكانت محاضرها في غاية الإيجاز والتعميم. وقد اتسم موقف المملكة  من المشاورات على وحدد  "العمل لما فيه تأييد الصلات بين المملكة العربية السعودية ومصر بصورة خاصة، والبحث في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خير الأمة العربية، وأن نتقي المخاطر والحبائل التي تضر بالمصلحة العربية، وتأجيل البحث في موضوع التعاون السياسي في الوقت الحاضر إلى أن تتغير الظروف القائمة" .
   و الوفد السوري كان برئاسة السيد سعد الله الجابري، رئيس مجلس وزراء الجمهورية السورية، على رأس وفد يضم السيد جميل مردم بك وزير الخارجية. وبدأت المداولات بينه وبين الوفد المصري برئاسة النحاس باشا واستغرقت أربع جلسات، ابتدأت في 26 أكتوبر وانتهت في 3 نوفمبر 1943. وكانت الخلاصة النهائية التي وضعها الرئيس السوري أمام النحاس باشا أن تجزئة بلاد الشام إلى الأقطار الأربعة لم تكن نتيجة طبيعية، ولكنها وليدة اتفاقات ومصالح أجنبية، سرية وعلنية، فرضت على أهل البلاد بالقوة. ثم استدرك ليقول: "غير أنه بعد مرور عشرين سنة تعود فيها كل قطر على حياته الخاصة وطابعه الخاص، ومع هذا فإننا نصر على التوحيد استنادا إلى رغبة البلاد، هذا مع الاحتفاظ بدمشق عاصمة، وبالنظام الجمهوري أساسا".وأوضح أن سوريا تؤثر أقوى أداة وهي الحكومة المركزية، وإن كانت لا تجهل ما يقوم في سبيل ذلك من عقبات، فإذا تعذر ذلك فإنه يصار إلى إقامة نظام آخر من الاتحاد أو ا لاتفاق أو الحلف، تستمد قواعده ونظمه من أوضاع متشابهة عند غيرنا من الأمم: "ومن رأينا أن يشمل الاتحاد مصر والشام والعراق والمملكة العربية السعودية واليمن".
خامسا: وفد لبنان ، ولم تكن المشاورات معه بأسلوب الحوار أو الإيضاح؛ فقد كان موقف لبنان يومئذ حساس ودقيق وهو على عتبة الحكم الوطني الجديد، وعلى رأسه الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية والسيد رياض الصلح رئيس الوزراء، وقد أقاما بينهما قواعد فكرية مشتركة من التوازن السياسي، وكان لسوريا فضل كبير في إرساء هذا التوازن باعترافها باستقلال لبنان بحدوده التي وضعها الفرنسيون.
وقدم الوفد بيانا مكتوبا أكد فيه أن هناك عوامل ثلاثة جعلته يقترب من القضية العربية ويقبل على المشاركة فيها، وهي:
• ضعف المؤثرات الأجنبية التي كانت تسيطر عليه خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة، وتلك هي فترة الانتداب الفرنسي.
• تفهم شقيقاته العربية لموقفه المتحفظ من الوحدة العربية، تفهما جعلها تعترف بكيانه وحدوده الحالية دولة مستقلة ذات سيادة تامة - وهو بذلك يشير إلى موقف سوريا بالذات، بالإضافة إلى تأييد السعودية ومصر لكيان لبنان وجود وحدود ونظام.
• تفهم لبنان لضرورات التعاون مع البلدان الشقيقة والمجاورة لمصلحة كيانه السياسي والاقتصادي.
وانتقل البيان اللبناني بعد ذلك ليؤكد أن لبنان لا يقل اقتناع ورغبة عن بقية الأقطار العربية بفوائد التعاون المشترك، وأن موقفه من القضية العربية سيكون مماثل لموقف مصر منها، وأنه يرغب في أن يكون تعاونه مع جميع الأقطار العربية على أساس السيادة والمساواة