ندوة بأصيلة تستعيد الإرث الفني والفكري لطوني ماريني.. شهادات تكشف مسيرة نصف قرن في خدمة الفن والثقافة
احتضنت مدينة أصيلة، ضمن فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، ندوة فكرية وفنية خصصت لاستعادة المسار الثقافي والفني للكاتبة والباحثة والناقدة طوني ماريني، بحضور حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والنقاد والباحثين الذين قدموا شهادات وقراءات في تجربة امتدت لعقود، وأسهمت في صياغة أسئلة الفن والحداثة والهوية والثقافة في المغرب.
وأدار الندوة شرف الدين ماجدولين، الأكاديمي والناقد بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بالمملكة المغربية، الذي استحضر في تقديمه المكانة التي تحتلها ماريني في الذاكرة الفنية والثقافية المغربية، باعتبارها واحدة من الأصوات التي واكبت مرحلة مفصلية من تشكل الحداثة التشكيلية المغربية، ولم تكتف بالكتابة عن الفن، بل انخرطت في قضاياه من خلال التعليم والبحث والعمل الميداني والتربية الفنية.
وأشار ماجدولين إلى أن الاحتفاء بماريني في أصيلة يحمل دلالة خاصة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها المدينة باعتبارها فضاءً للحوار بين الثقافات والشعوب والضفاف، موضحاً أن ماريني كانت جزءاً من هذه الذاكرة، من خلال علاقتها بالفنانين والمثقفين المغاربة، وإسهاماتها في الحركة الفنية والثقافية.
كما أوضح أن ماريني تعذر عليها الحضور بسبب وضعها الصحي، معرباً عن تمنيات المشاركين لها بالشفاء، ومؤكداً أن غيابها الجسدي لم يمنع حضور تجربتها بقوة في أشغال الندوة.
ماجدولين: ماريني كانت جزءاً من اللحظة التأسيسية للحداثة التشكيلية المغربية
واستعاد شرف الدين ماجدولين المسار المغربي لطوني ماريني منذ وصولها إلى المملكة خلال ستينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أنها سرعان ما أقامت علاقات وثيقة مع الفنانين والنقاد والمثقفين المغاربة، وانخرطت في النقاشات التي رافقت تشكل الفن المغربي الحديث.
وأوضح أن ماريني لم تكن مجرد ناقدة تراقب الحركة الفنية من الخارج، وإنما كانت طرفاً فاعلاً في أسئلتها وتحولاتها، وأسهمت في التعريف بالفن المغربي وقراءة تجاربه من زوايا تاريخية وجمالية وإنسانية.
كما توقف عند حضورها في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وعلاقتها بعدد من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً من أبرز رموز الحركة التشكيلية المغربية، إلى جانب اهتمامها بتدريس تاريخ الفن والنقد والمساهمة في بناء وعي جديد بالعمل الفني.
وأبرز كذلك علاقتها بأصيلة، ولا سيما مساهمتها في ورش مرسم الأطفال، حيث أتاحت لأجيال من الأطفال فرصة التعرف إلى الفن وممارسته والاحتكاك بفنانين مغاربة وأجانب، في تجربة عكست إيمانها بأن الفن ينبغي أن يكون قريباً من المجتمع ومن الحياة اليومية.
محمد الأشعري: «البناء المشترك» كان جوهر تجربة ماريني
ومن جانبه، استعاد الشاعر والروائي وعضو أكاديمية المملكة المغربية محمد الأشعري بدايات علاقة طوني ماريني بالمشهد الثقافي والفني المغربي، متوقفاً عند زيارتها الأولى للمغرب خلال ستينيات القرن الماضي واللقاءات التي جمعتها بعدد من رواد الفن المغربي.
وأشار الأشعري إلى لقاءات ماريني بمحمد عطا الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي، وما رافقها من نقاشات حول الفن المعاصر، ومستقبل الحركة الفنية المغربية، وضرورة تجاوز البنيات الثقافية والإدارية التي خلفها الاستعمار.
وأكد أن ماريني كانت تؤمن بما سماه «البناء المشترك»، أي الاشتغال إلى جانب الفنانين والمثقفين والمجتمع، بدل فرض نماذج جاهزة أو التعامل مع الثقافة من موقع خارجي مغلق.
كما استحضر مساهمتها في محيط مدرسة الدار البيضاء ومجلات ومنابر ثقافية وفنية، مؤكداً أن كتاباتها طرحت أسئلة أساسية حول طبيعة الفن المغربي الحديث، وعلاقته بالتاريخ والتراث والهوية، وما إذا كان الفن المعاصر امتداداً لتاريخ بصري سابق أم مجرد استجابة لتجارب وافدة.
وشدد الأشعري على أهمية توثيق ذاكرة الفن المغربي، محذراً من ضياع الكثير من تفاصيل تجارب رواده، ومؤكداً أن سؤال الذاكرة يظل أحد التحديات الأساسية أمام الباحثين في تاريخ الفن المغربي.
أفاية: كتابات ماريني «رؤية تفكرية وجمالية» لا تزال راهنة
وقدم المفكر وعضو أكاديمية المملكة المغربية محمد نور الدين أفاية مداخلته تحت عنوان «كتابات طوني ماريني، راهنية رؤية تفكرية وجمالية»، محاولاً تفكيك الأسس الفكرية والجمالية التي حكمت مشروعها النقدي والبحثي.
ورأى أفاية أن علاقة ماريني بالمغرب انتقلت من الصداقة إلى المشاركة ثم البحث وإنتاج الفكر، موضحاً أنها انخرطت في فهم الثقافة المغربية من خلال الاحتكاك المباشر بالميدان، واهتمت بالتراث والأساطير والعلامات والرموز التي شكلت الذاكرة البصرية للمجتمع.
وتوقف عند وعيها بموقعها ككاتبة وباحثة ذات خلفية غربية تشتغل على ثقافة أخرى، مؤكداً أنها واجهت هذه المسألة من خلال نوع من النقد الذاتي، وسعت إلى تجاوز النظرة الاستعلائية التي طبعت كثيراً من الكتابات الاستشراقية والاستعمارية.
كما أبرز اهتمامها بمظاهر التعبير البصري المغربي قبل الاستعمار، رافضاً اختزال تاريخ الفن المغربي في اللحظة التي وصل فيها الأوروبيون، ومشيراً إلى أهمية الصناعات التقليدية والحرف والوشوم والنسيج والعمارة وغيرها من الأشكال البصرية في تكوين الذاكرة الفنية للمغرب.
واعتبر أفاية أن كتابات ماريني تشكل اليوم شهادة حية ووثيقة فكرية وتاريخية لفهم التحولات التي عرفها الفن المغربي منذ ستينيات القرن الماضي، وأنها تتيح للأجيال الجديدة إعادة قراءة تلك المرحلة من منظور نقدي مختلف.
كلوديا إسبوزيطو: «الكتابة مع» فلسفة ماريني في التعامل مع الآخر
أما كلوديا إسبوزيطو، أستاذة الأدب الفرنسي والفرنكوفوني وناقدة فنية في جامعة ماساتشوستس بوسطن، فتناولت تجربة ماريني من خلال مفهوم «الكتابة مع»، معتبرة أنه يلخص جانباً أساسياً من منهجها في العمل الثقافي.
وأوضحت أن ماريني كانت تفضل العمل مع الفنانين والمثقفين والمجتمعات المحلية، بدلاً من التحدث نيابة عنهم، وأنها كانت حريصة على ترك مساحة للآخر كي يعبر عن نفسه وتجربته.
وأشارت إلى أن هذا الحضور اتسم كذلك بالتواضع والابتعاد عن الرغبة في صناعة مجد شخصي، فرغم دورها في عدد من المبادرات الثقافية والفنية والتعليمية، فإنها بقيت في كثير من الأحيان خلف المشهد، مكتفية بدعم المشاريع والأشخاص الذين آمنت بهم.
وتوقفت إسبوزيطو عند مساهمات ماريني في مجلات ومشروعات فنية وتعليمية، وعند اهتمامها بالتربية الفنية وورش الأطفال، معتبرة أن هذه التجارب ساعدت على جعل الفن جزءاً من الحياة اليومية وليس نشاطاً محصوراً داخل المؤسسات.
كما أبرزت اهتمامها بالثقافة الأمازيغية، ولا سيما السجاد والحلي والعمارة، باعتبارها تعبيرات رمزية وفنية حية، وليست مجرد مظاهر فولكلورية جامدة.
محمد رشدي: ماريني ساهمت في بناء رؤية جديدة للحداثة الفنية المغربية
من جهته، استعاد الناقد الفني ومنظم المعارض وأستاذ المدرسة العليا للفنون البصرية محمد رشدي حضور ماريني في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وعلاقتها بعدد من أبرز الفنانين المغاربة خلال ستينيات القرن الماضي.
وأكد رشدي أن مساهمتها تجاوزت الجانب النظري، لتشمل التعليم والتكوين والمشاركة في النقاشات التي رافقت بناء الحداثة الفنية المغربية.
وأشار إلى أن السؤال المركزي الذي شغل ماريني تمثل في كيفية بناء حداثة مغربية منفتحة على العالم دون الوقوع في محاكاة التجربة الغربية أو قطع الصلة بالتراث المحلي.
كما استحضر اهتمامها بالفنون الشعبية والحرف والأشكال التقليدية، باعتبارها مصادر أساسية يمكن للفنان المغربي أن يستفيد منها في بناء لغة تشكيلية حديثة.
وتوقف رشدي عند كتاباتها حول النقد الفني، مشيراً إلى أنها دافعت عن تصور للناقد باعتباره باحثاً ومؤرخاً ووسيطاً ثقافياً، لا مجرد صاحب أحكام شخصية، وهو ما جعل النقد عندها جزءاً من مشروع أوسع لفهم الفن والمجتمع.
عبد الرحيم كمال: «الكتابات الصامتة» تكشف لغة خفية في الفن المغربي
وتناول الباحث والروائي وأستاذ جامعة سيدي محمد بن عبد الله عبد الرحيم كمال تجربة ماريني من خلال مفهوم «الكتابات الصامتة»، مركزاً على العلاقة بين اللغة والذاكرة والخيال.
وأوضح أن مشروعها الفكري يقوم على مساءلة المركزية الغربية، وإعادة النظر في العلاقة بين الذات والآخر، والبحث عن الأبعاد الثقافية والأنثروبولوجية الكامنة وراء الأشكال الفنية.
واعتبر أن ماريني اشتغلت على ما يمكن وصفه باللغات السرية أو المنسية للأشكال، من خلال تتبع العلامات والرموز القديمة في الفن المغربي، وربطها بأعمال عدد من الفنانين المغاربة، من بينهم شعيبية طلال، وأحمد الشرقاوي، ومحمد المليحي، وفريد بلكاهية، ومحمد شبعة وغيرهم.
كما تحدث عن مفهوم «الذاكرة الأركيولوجية»، باعتبارها ذاكرة كامنة في الصور والأشكال والمواد، يمكن أن تعود إلى الظهور عبر التحولات الفنية المختلفة، مؤكداً أن الفن في تصور ماريني ليس قطيعة كاملة مع الماضي، بل إعادة كتابة مستمرة له.
عبد الله زيوزيو: ماريني تجاوزت النقد إلى أنثروبولوجيا الفن
وفي شهادة مختلفة، استعاد أستاذ الطب النفسي بالدار البيضاء عبد الله زيوزيو علاقته بطوني ماريني التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، متوقفاً عند تجربتهما المشتركة في ربط الفن بالمجال النفسي والاجتماعي.
وقال زيوزيو إن لقاءه بماريني جاء في سياق اهتمامه المبكر بالعلاقة بين الطب والعلوم الإنسانية، قبل أن ينفتح أكثر على الفن من خلال عدد من الفنانين والفاعلين الثقافيين.
واستعاد تجربة «موسم الفنانين في برشيد»، التي جمعت فنانين ومرضى داخل مستشفى الأمراض النفسية، بهدف المساهمة في أنسنة فضاء المستشفى وإعادة النظر في علاقة المرضى بالفن والمجتمع.
وأوضح أن ماريني لعبت دوراً أساسياً في هذه التجربة، ولم تكن مجرد مشاركة فيها، بل كانت شريكة في التفكير والإعداد، مستحضراً اهتمامها بتجارب أنسنة مستشفيات الأمراض النفسية، ومنها تجربة فرانكو بازاليا في ترييستي الإيطالية.
كما تحدث عن اهتمامها بالتحليل النفسي والأنثروبولوجيا، مؤكداً أنها، في نظره، لم تكن ناقدة فنية فقط، وإنما كانت أقرب إلى «أنثروبولوجية للفن» تبحث في الميدان وتربط العمل الفني بالسياق الثقافي والاجتماعي.
من مستشفى برشيد إلى ورش الأطفال
واستعاد زيوزيو كذلك تجربة أخرى جمعت بينه وبين ماريني في ورش الأطفال، موضحاً أنها كانت تؤمن بقدرة الفن والخيال على تطوير قدرات الطفل، وليس فقط تعليمه الرسم.
وأشار إلى ورشة نظمت في إحدى مدارس الدار البيضاء، شارك فيها أطفال لم يكونوا بالضرورة من المتفوقين في الرسم، إذ كان الهدف اكتشاف إمكاناتهم من خلال الحكايات والخيال والتعبير البصري.
وكان الأطفال يقدمون في كل لقاء حكايات سمعوها من الجدات أو الأقارب ثم يحولونها إلى أعمال فنية، وهو ما ساعد، بحسب زيوزيو، على تطوير قدراتهم على التركيز والتخيل، بل وظهر أثر ذلك في أدائهم الدراسي.
واعتبر أن هذه التجارب تكشف جانباً آخر من شخصية ماريني، باعتبارها باحثة ومربية فنية تؤمن بأن الإبداع يمكن أن يكون وسيلة لتغيير علاقة الإنسان بذاته وبالمجتمع.
ذاكرة فنية تتجاوز الأشخاص
واختتمت الندوة بتأكيد أن استعادة تجربة طوني ماريني لا تتعلق بتكريم شخصية ثقافية فحسب، وإنما بإعادة فتح ملفات أساسية في تاريخ الفن المغربي الحديث، من الحداثة والهوية إلى التراث والنقد والتعليم الفني.
وتقاطعت مداخلات المشاركين حول صورة ماريني باعتبارها فاعلة ثقافية متعددة الاهتمامات، جمعت بين الكتابة والنقد والبحث الميداني والتعليم والتربية الفنية، وأسهمت في بناء جسور بين المغرب ومحيطه المتوسطي والعالمي.
كما شكل حضور حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، بعداً إضافياً للندوة التي أعادت التأكيد على دور المنتدى في حفظ الذاكرة الثقافية والفنية، وفتح فضاءات للنقاش حول الشخصيات والتجارب التي أسهمت في تشكيل المشهد الثقافي المغربي.
وهكذا بدت طوني ماريني، رغم غيابها عن الندوة، حاضرة في شهادات المشاركين وذاكرة أصيلة، باعتبارها شخصية ارتبط اسمها بتحولات الفن المغربي وبفكرة الثقافة بوصفها مساحة للحوار والتفاعل وبناء المعرفة، وليس مجرد مجال للإنتاج الجمالي.
