الثقافة والهوية الوطنية على طاولة منتدى مصر 2026.. خبراء يطالبون بمرصد للقيم وتطوير المحتوى الرقمي
دعوات لحماية التراث المصري وتعزيز الأنشطة الفنية والموسيقية بالمدارس.. وتوصيات بإطلاق مشروع قومي لترسيخ الهوية الوطنية
في إطار الاستعدادات لانطلاق «منتدى مصر 2026»، ناقش مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء رؤى الخبراء والمتخصصين بشأن دور الثقافة في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز القيم المجتمعية، وذلك خلال ورشة عمل عُقدت الثلاثاء 13 أكتوبر، ضمن سلسلة الجلسات التحضيرية للمنتدى المقرر انعقاده خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري.
وتناولت الورشة سبل تطوير السياسات الثقافية وتعزيز دور المؤسسات المعنية في نشر الوعي وترسيخ الانتماء الوطني، إلى جانب بحث آليات قياس التحولات التي تشهدها منظومة القيم في المجتمع المصري، ومواكبة تأثيرات التحول الرقمي والإعلام والدراما في تشكيل اتجاهات الأفراد وسلوكياتهم.
وشهدت المناقشات طرح عدد من المقترحات، من بينها إجراء مسح وطني شامل للقيم المجتمعية، وإنشاء مرصد وطني لرصد التحولات الاجتماعية، وتطوير المحتوى الرقمي والدرامي الموجه للشباب والأطفال، فضلًا عن تعزيز الأنشطة الفنية والموسيقية داخل المدارس، وتكثيف الجهود المؤسسية لحماية التراث المصري ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وأكدت الدكتورة نيفين زكريا أمين، أستاذ علم الاجتماع بمعهد التخطيط القومي، أهمية دمج الأبعاد الثقافية في سياسات التنمية، وتطوير مؤشرات وطنية لقياس القيم تعكس خصوصية المجتمع المصري، مشيرة إلى تأثير التكنولوجيا والتحولات الديموغرافية في منظومة القيم، ومشددة على ضرورة إجراء مسح وطني شامل يساعد على فهم التحولات المجتمعية وتوجيه السياسات الثقافية على أسس علمية.
من جانبها، استعرضت الدكتورة حنان جرجس، بمركز بصيرة، أبرز التحديات المرتبطة بمنظومة القيم في المجتمع المصري، ومنها ضعف تقبل مشاركة المرأة اقتصاديًا، وتنامي بعض مظاهر التشدد، وتأثير الإعلام والدراما في تشكيل السلوكيات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالهوية لدى الشباب.
مرصد وطني للقيم وتعزيز المحتوى العربي الرقمي
وفيما يتعلق بآليات رصد التحولات القيمية وقياس انعكاساتها على سلوك المواطنين، أكد الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة، أن تعزيز القيم مسؤولية مشتركة تتطلب خطة وطنية متكاملة، داعيًا إلى قياس أثر الأنشطة الثقافية في حياة المواطنين، وإنشاء مرصد وطني للقيم المجتمعية، وتعزيز المحتوى العربي في البيئة الرقمية.
وأشار أحمد موسى، خبير بوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، إلى وجود فجوة بين القيم المعلنة والسلوكيات الفعلية، مؤكدًا أهمية تطوير مؤشرات وطنية تساعد على فهم أسباب هذه الفجوة ومعالجة العوامل المؤسسية والاجتماعية المؤثرة فيها، فضلًا عن تطوير أدوات العمل الثقافي والتعامل مع تأثير المحتوى الرقمي والمعلومات المضللة في تشكيل وعي الشباب.
من جانبها، أكدت الدكتورة هبة جمال الدين، رئيس قسم الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومي، ضرورة إطلاق مشروع قومي ثقافي لتعزيز الهوية الوطنية ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة، مع تطوير الخطاب الديني وتعزيز دور الجامعات والمؤسسات الدينية في بناء الوعي، وإنتاج محتوى إعلامي وطني هادف، خاصة الموجه للأطفال.
وشددت على أهمية ربط الصناعات الثقافية والإبداعية بالتخصصات التكنولوجية، بما يواكب التحولات الرقمية ويفتح آفاقًا جديدة أمام الإنتاج الثقافي المصري.
بدوره، أشار الدكتور شعبان الأمير، مقرر مجلس الثقافة والمعرفة بأكاديمية البحث العلمي، إلى أهمية التكامل بين الثقافة والمعرفة والبحث العلمي في بناء الهوية الوطنية، ومواجهة غياب القدوة في المجال العام، مقترحًا إنشاء مرصد للهوية القومية والاستفادة من مشروعات تخرج طلاب التخصصات الثقافية في تنفيذ أنشطة ميدانية بالمدارس لتعريف الأجيال الجديدة بالتراث والهوية المصرية.
خبراء: السياسات الثقافية يجب أن تراعي تنوع المجتمع
وفي سياق متصل، أكدت الدكتورة سامية قدري، أستاذ علم الاجتماع بكلية البنات جامعة عين شمس، أن تنوع اتجاهات الشباب وممارساتهم داخل المجتمع المصري يستدعي تجنب التعميم عند تحليل القيم والسلوكيات، مشددة على أهمية الجمع بين المؤشرات الكمية والدراسات الكيفية لفهم السياقات الاجتماعية، والتمييز بين القيم التي قد تعوق التنمية والاختيارات الشخصية، إلى جانب تعزيز الإطار القانوني المنظم للسلوكيات في المجال العام.
كما شددت الدكتورة رباب الحسيني، مستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، على ضرورة إدماج الثقافة في سياسات التنمية من خلال سياسة ثقافية متكاملة تعتمد على التحليل الكمي والدراسات الكيفية، وتنظر إلى القيم باعتبارها مكتسبة وقابلة للتطوير، مع وضع الأطفال في قلب هذه السياسات وتعزيز دور الأسرة في التنشئة ونقل القيم بين الأجيال.
وطرحت الدكتورة مها علام، خبيرة العلاقات الدولية، تساؤلات حول كيفية توظيف الثقافة لقيادة التغيير المجتمعي بدلًا من الاقتصار على حمايتها من التغيير، مؤكدة ضرورة تحويل القيم إلى ممارسات فعلية من خلال سياسات وبرامج قابلة للتطبيق والتقييم، ومقترحة إنشاء بنك للقيم المجتمعية يتيح للشباب المشاركة في تحديد أولوياتها.
من جانبه، أكد هشام عطوة، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، أهمية تطوير البنية التحتية الثقافية وزيادة الدعم المالي والاستعانة بالكوادر المتخصصة، إلى جانب تحديث أساليب تقديم الخدمات الثقافية لمواكبة التحولات الرقمية، ووضع رؤية وطنية متكاملة للتعامل مع الدراما والفنون وتعزيز حضورهما في المجتمع.
ثقافة الطفل والأنشطة المدرسية في صدارة المقترحات
وفيما يتعلق بتطوير منظومة العمل الثقافي، أكد حسن غزالي، الباحث الأنثروبولوجي ومؤسس مكتب الجنوب العالمي بوزارة الشباب والرياضة، أهمية ربط العمل الثقافي بالعائد الاقتصادي والاجتماعي، وتوسيع فرص المشاركة والإتاحة، وتفعيل دور المؤثرين الثقافيين في تعزيز السردية الوطنية، والاستفادة من التكنولوجيا في تنمية المهارات وتوسيع نطاق الوصول إلى الأنشطة الثقافية.
وشددت الدكتورة إيناس نور، مديرة المسرح القومي للأطفال، على ضرورة إعطاء الأولوية لثقافة الطفل، وتعزيز التعاون بين المسرح القومي للأطفال ومسارح المحافظات من خلال بروتوكولات واضحة، إلى جانب تطوير التنسيق بين وزارة الثقافة ووسائل الإعلام للترويج للأنشطة والعروض المسرحية وضمان وصولها إلى الجمهور المستهدف.
من جانبه، أكد الفنان محمد ثروت أهمية إعادة الاهتمام بالأنشطة الفنية والموسيقية داخل المدارس، خاصة الموسيقى والكورال، لدورها في اكتشاف المواهب وتنمية شخصية الطفل وترسيخ القيم الإيجابية لديه، مشيرًا إلى أن بناء القيم يجب أن يمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، بما يشمل الحفاظ على البيئة واحترام قواعد المرور وتحسين التعاملات بين المواطنين.
كما أشارت الدكتورة شيماء علي عبد العزيز، مستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إلى أهمية دراسة مدى انعكاس القيم المعلنة، مثل التسامح، على السلوكيات الفعلية، لافتة إلى ضرورة مواصلة بحث العلاقة بين المحتوى الإعلامي وتشكيل الاتجاهات والسلوكيات المجتمعية.
دعوات لتطوير قصور الثقافة وتوسيع الشراكات المؤسسية
وفي إطار تعزيز التنسيق المؤسسي وتوسيع إتاحة الخدمات والمنتجات الثقافية، أكد محمد ناصف، رئيس المركز القومي لثقافة الطفل ومستشار الهيئة العامة لقصور الثقافة، أهمية تعزيز دور قصور الثقافة في الوصول إلى المواطنين، من خلال التعاون مع الجامعات ووزارات التنمية المحلية والتربية والتعليم.
وشدد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس قسم الخزف بجامعة العاصمة، على ضرورة وضع استراتيجية مؤسسية للعمل الثقافي تتيح تقييم الأنشطة والمنتجات وقياس أثرها، إلى جانب تعزيز البعد الاقتصادي للثقافة وتفعيل المبادرات والشراكات الداعمة للصناعات الثقافية والإبداعية.
وأكدت الدكتورة ضحى عبد الحميد، الخبيرة الاقتصادية التمويلية، ضرورة تحديد القيم المستهدفة وتصنيفها إلى مجموعات قابلة للقياس، مع إشراك المواطنين في صياغة الاستراتيجية الثقافية، وتحديد مسؤوليات الجهات المعنية وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ البرامج والمبادرات.
من جانبها، شددت الدكتورة علا عبد الفتاح، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، على أهمية استثمار التنوع الثقافي وتنمية قدرات الأطفال ليصبحوا منتجين للمحتوى الإبداعي، إلى جانب تطوير منصات رقمية جاذبة للشباب تقدم محتوى إيجابيًا، وتصميم أنشطة تطوعية تساعد مختلف الفئات العمرية على اكتساب القيم الإيجابية من خلال الممارسة والتفاعل المباشر.
حماية التراث المصري مسؤولية مشتركة
وفي ختام المناقشات المتعلقة بحماية الهوية والموروث الثقافي، أكد الدكتور أيمن وزيري، أستاذ ورئيس قسم الآثار المصرية بكلية الآثار بجامعة الفيوم ورئيس اتحاد الأثريين المصريين، أهمية إطلاق مبادرات لإحياء الهوية المصرية وتعزيز الاهتمام بالتراث والموروث الثقافي، وتطوير آليات الحفاظ عليه وتوثيقه ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وشدد على أن حماية التراث المصري مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيق جهود المؤسسات المعنية ضمن رؤية وطنية متكاملة، بما يضمن الحفاظ على الموروث الثقافي وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة به.
وتأتي الورشة ضمن سلسلة اللقاءات التحضيرية التي ينظمها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء استعدادًا لمنتدى مصر 2026، بهدف الاستماع إلى رؤى الخبراء والمتخصصين وصياغة مقترحات عملية بشأن القضايا المجتمعية والتنموية، بما يدعم تطوير السياسات الثقافية وتعزيز دورها في ترسيخ الهوية الوطنية ومواكبة التحولات الرقمية والاجتماعية.
