من قصر بعبدا إلى قرى الجنوب.. نبيل فهمي يفتح جبهة التحرك العربي لدعم لبنان ويحذر من فراغ أمني بعد رحيل «اليونيفيل»
الأمين العام لجامعة الدول العربية يلتقي عون وبري وسلام.. دعم الجيش وإعادة الإعمار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على رأس الأولويات
في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أكثر مراحله حساسية، بين تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، وتفاقم الأعباء الإنسانية والاقتصادية، ومخاوف الفراغ الأمني في الجنوب مع مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، جاءت زيارة نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلى بيروت وجنوب لبنان لتؤكد أن الملف اللبناني عاد إلى صدارة التحرك العربي، وأن مساندة الدولة ومؤسساتها لم تعد تقتصر على بيانات التضامن، بل تتطلب تحركات سياسية ودبلوماسية ومساندة عملية تعزز قدرة لبنان على حماية سيادته واستعادة الاستقرار.
وعلى مدار يومي 19 و20 أكتوبر 2026، أجرى فهمي سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، شملت رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، إلى جانب قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، قبل أن ينتقل إلى جنوب البلاد للاطلاع ميدانيًا على الأوضاع الأمنية والإنسانية وحجم الأضرار التي لحقت بالقرى والمنشآت والبنية التحتية.
وحملت الزيارة، وهي الأولى لفهمي إلى لبنان منذ توليه مهام منصبه، رسائل سياسية واضحة بشأن دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار الاحتلال، وضرورة تعزيز قدرات الجيش اللبناني، إلى جانب حشد المساندة العربية والدولية لجهود التعافي الاقتصادي وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
من قصر بعبدا.. دعم عربي لسيادة لبنان ووحدة أراضيه
استهل الأمين العام لقاءاته في بيروت باجتماع مع الرئيس اللبناني جوزاف عون في قصر بعبدا، تناول تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، وانعكاسات التصعيد الإقليمي على الاستقرار السياسي والأمني، فضلًا عن سبل تعزيز الدعم العربي للدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية.
وأكد فهمي خلال اللقاء أن لبنان يمثل أولوية لدى جامعة الدول العربية، وأن زيارته تعكس التزامًا عربيًا بمساندة الدولة اللبنانية في مواجهة التحديات الراهنة، مشددًا على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه وحقه في استعادة كامل أراضيه المحتلة.
كما تناولت المباحثات أهمية تكثيف التحركات السياسية والدبلوماسية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال، مع تأكيد ضرورة التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701، بما يدعم الاستقرار ويعزز قدرة مؤسسات الدولة على الاضطلاع بمسؤولياتها.
وأعرب الأمين العام عن استعداده لإجراء الاتصالات اللازمة مع الدول العربية والغربية لحشد الدعم للبنان وشعبه، في إطار تحرك يستهدف ترجمة المواقف السياسية إلى خطوات عملية تساعد البلاد على تجاوز المرحلة الراهنة.
نبيه بري ونواف سلام.. توحيد الصف اللبناني وحشد المساندة العربية
وفي إطار توسيع دائرة التشاور مع القيادات اللبنانية، التقى فهمي رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث بحث الجانبان مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية، وانعكاسات التطورات الإقليمية على لبنان، وسبل تعزيز دور المؤسسات الوطنية في الحفاظ على الاستقرار والوحدة الوطنية.
وأكد الأمين العام رفض الجامعة العربية للاعتداءات الإسرائيلية واستمرار الاحتلال واستهداف المدنيين، مشددًا على أن توحيد الصف اللبناني وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على أداء مهامها يمثلان أولوية للتحرك العربي.
كما تناول اللقاء مستقبل «اليونيفيل» في ضوء التطورات المتعلقة بولايتها، حيث أكد فهمي أن استمرار وجود القوة الأممية تحت مظلة الأمم المتحدة يمثل الخيار الأفضل لضمان استمرار تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه لبنان.
وأعرب عن أسفه للتوجه نحو إنهاء مهمة «اليونيفيل»، مشددًا على أن أي ترتيبات أمنية بديلة يجب أن تحظى بقبول الدولة اللبنانية، وأن تستند إلى قرار دولي وغطاء من الشرعية الدولية، بما يضمن احترام السيادة اللبنانية ويدعم جهود الجيش في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
ومن جانبه، استقبل رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام الأمين العام للجامعة العربية، حيث تناول اللقاء أولويات الحكومة والتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب جهود التعافي وإعادة الإعمار.
وأكد فهمي مساندة الجامعة العربية لجهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية، مع ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال.
وشدد على أهمية البناء على قرار مجلس وزراء الخارجية العرب الأخير بشأن لبنان، باعتباره أساسًا للتحرك العربي، بما يشمله من دعم الدولة الوطنية وتعزيز الوفاق اللبناني–اللبناني ومساندة الجهود الرامية إلى معالجة القضايا الملحة.
وأكد فهمي أن لقاءاته مع القيادات اللبنانية أتاحت له الاستماع إلى أولويات الدولة واحتياجاتها، مشيرًا إلى أنه سيعود إلى القاهرة بتقييم شامل للأوضاع، بما يساعد على ترجمة الدعم العربي إلى خطوات عملية تستجيب للاحتياجات اللبنانية.
وزير الخارجية اللبناني.. التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار
وفي لقاء آخر، بحث الأمين العام لجامعة الدول العربية مع وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي، في بيروت، انعكاسات التصعيد الإقليمي على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في لبنان، وأولويات الحكومة خلال المرحلة المقبلة.
وتطرقت المباحثات إلى الجهود المطلوبة لدفع مسار التعافي الاقتصادي وإعادة إعمار المناطق المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية، فضلًا عن سبل تعزيز المساندة العربية للمؤسسات اللبنانية في مواجهة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد فهمي دعم الجامعة للحكومة اللبنانية في جهودها الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها، مشددًا على ضرورة توفير الظروف السياسية والأمنية الملائمة لتمكين لبنان من تجاوز التحديات واستعادة الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
كما اتفق الجانبان على مواصلة التنسيق بين الجامعة العربية ووزارة الخارجية اللبنانية، وتكثيف التواصل مع الشركاء العرب والدوليين لدعم الاحتياجات اللبنانية، وتعزيز الحضور العربي في الجهود الدولية الرامية إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.
الجيش اللبناني في قلب التحرك العربي
ولم تقتصر زيارة فهمي على اللقاءات السياسية، بل امتدت إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية، حيث استقبله قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مقر القيادة باليرزة، وبحث الجانبان تطورات الأوضاع الأمنية والجهود التي يبذلها الجيش للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.
وأشاد الأمين العام بالدور الوطني الذي يضطلع به الجيش اللبناني، وما يتحمله من مسؤوليات جسيمة في ظل الظروف الراهنة، مؤكدًا دعم جامعة الدول العربية للمؤسسة العسكرية وجهودها في بسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وشدد فهمي على أهمية حشد الدعم العربي والدولي للجيش، ومواصلة التحركات لحث المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، على تحمل مسؤولياته في وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية.
ويكتسب ملف دعم الجيش أهمية خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بمستقبل الوجود الأممي في جنوب لبنان، والحاجة إلى ضمان عدم نشوء فراغ أمني قد ينعكس على استقرار المنطقة، وهو ما يتطلب تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتمكينها من أداء مهامها الوطنية.
من المكاتب السياسية إلى الميدان.. نبيل فهمي في جنوب لبنان
وجاءت المحطة الأبرز في الزيارة مع انتقال الأمين العام لجامعة الدول العربية، الثلاثاء 20 أكتوبر، إلى جنوب لبنان، برفقة وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد، في جولة ميدانية استهدفت الوقوف عن قرب على الأوضاع الأمنية والإنسانية، وتأكيد التضامن العربي مع أبناء الجنوب في مواجهة تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية.
وشملت الجولة منطقة الزهراني وبلدة زوطر الغربية، إلى جانب مقر قيادة الجيش اللبناني لقطاع جنوب الليطاني في مدينة صور، حيث استمع فهمي إلى عرض مفصل حول تطورات الأوضاع الميدانية والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة.
واطلع الأمين العام على ما تشهده القرى والبلدات الجنوبية من تدمير للمنازل والمنشآت والبنية التحتية، فضلًا عن حرق الأشجار والأراضي الزراعية، وما يترتب على ذلك من أضرار مباشرة تطال حياة المواطنين ومصادر رزقهم، وتعرقل جهود التعافي وإعادة الإعمار.
كما استمع إلى عرض بشأن الجهود التي يبذلها الجيش اللبناني في أداء مهامه الوطنية، والتحذيرات من مخاطر نشوء فراغ أمني في الجنوب عقب رحيل قوات «اليونيفيل»، وما قد يحمله ذلك من تداعيات على أمن المنطقة واستقرارها.
وأكد فهمي، خلال الزيارة، دعم الجامعة العربية للجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، مشددًا على ضرورة تكثيف الجهود العربية والدولية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال، وتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، إلى جانب توفير المساندة اللازمة لإعادة إعمار المناطق المتضررة.
وأعرب عن تقديره للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي على تعاونهما وتسهيلاتهما لتنظيم الجولة، مثمنًا الجهود المبذولة في ظل الظروف الأمنية الدقيقة التي تمر بها المنطقة.
«زيارة الجنوب خطوة أولى».. رسالة تتجاوز التضامن السياسي
وفي تصريحاته خلال لقاءاته مع القيادات اللبنانية، أكد فهمي أن زيارته إلى الجنوب تمثل خطوة أولى نحو تحرك عربي أوسع لحشد الدعم السياسي والمادي للبنان، بما يشمل مساندة الجيش اللبناني وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات.
وشدد على أن الجامعة العربية تسعى إلى تفعيل الاتصالات مع الدول العربية والغربية، وتعزيز التنسيق مع لبنان والمجتمع الدولي بشأن الترتيبات الأمنية التي تضمن احترام سيادة البلاد وتستند إلى الشرعية الدولية.
كما أكد أن زيارته تحمل رسالة تقدير لصمود أبناء الجنوب وتضحيات الجيش اللبناني، وتعكس الحرص على تحويل مواقف الدعم السياسي إلى تحرك عربي فاعل، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مساندة مؤسساتها الوطنية، وتخفيف الأعباء عن مواطنيها، وإعادة بناء ما دمرته الاعتداءات.
لبنان والأمن القومي العربي.. تحرك يتجاوز حدود الزيارة
وتعكس لقاءات الأمين العام لجامعة الدول العربية وزيارته الميدانية إلى جنوب لبنان توجهًا نحو ربط الدعم السياسي باحتياجات الدولة اللبنانية على الأرض، من خلال تعزيز مؤسساتها الوطنية، ودعم الجيش، وحشد المساندة الاقتصادية والإنسانية، والعمل على توفير مظلة دولية تحافظ على الاستقرار في الجنوب.
كما يبرز ملف «اليونيفيل» بوصفه أحد أبرز التحديات المطروحة أمام لبنان خلال المرحلة المقبلة، في ظل التأكيد العربي على ضرورة ألا تؤدي أي تغييرات في الوجود الأممي إلى فراغ أمني، وأن تحظى الترتيبات البديلة بموافقة الدولة اللبنانية وغطاء دولي واضح.
وفي ختام جولته، أكد فهمي أن أمن لبنان واستقراره جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن صون سيادته ووحدة أراضيه مسؤولية عربية مشتركة، في رسالة تؤكد أن مساندة لبنان تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الجامعة العربية والقيادات اللبنانية والشركاء الدوليين، بما يدعم وقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، وتعزيز سلطة الدولة، وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.
