الدولية نيوز

دينا ياسين تكتب: هل يضر النهر كوب ماء؟

الإثنين 2 نوفمبر 2026 09:12 مـ 21 جمادى أول 1448 هـ
دينا ياسين
دينا ياسين

حين تتحول الغيرة إلى محاولات ممنهجة لكسر ثقتك بنفسك!

ليست كل محاولات التقليل منك نقدًا، وليست كل الكلمات التي تُقال في حقك رأيًا يستحق الالتفات إليه. فبعض الكلمات ليست سوى غيرة ترتدي ثوب النصيحة، وبعض الانتقادات ليست بحثًا عن الحقيقة، بل محاولات مستميتة للنيل من صورتك في عيون الآخرين، والأخطر من ذلك: زعزعة صورتك في عيني نفسك.

هناك أشخاص لا يستطيعون تقبّل وجود إنسان يمتلك حضورًا مختلفًا، أو شخصية لافتة، أو كاريزما لا تُصطنع، أو جمال طلة وهيبة لا تحتاج إلى استعراض. يزعجهم أن تدخل مكانًا فيُلاحظ حضورك، وأن تتحدث فيُصغى إليك، وأن تنجح فيُحتفى بك، وأن تمتلك ثقة لا تستجدي اعتراف أحد.

فتبدأ محاولاتهم!

مرة بالتقليل من مظهرك، ومرة بالتشكيك في قدراتك، ومرة بالاستهانة بإنجازاتك، ومرة بتبخيس ما تملك، ومرة بالسخرية من أحلامك ومشروعاتك قبل أن ترى النور.

إنهم لا يكتفون أحيانًا بعدم الإعجاب بك، بل يريدون إقناعك بأنك لا تستحق الإعجاب أصلًا!

وهنا يجب أن تفهم حقيقة شديدة الأهمية: ليس كل من يحاول تصغيرك يراك صغيرًا، بل قد يكون أكثر الناس إدراكًا لحجم حضورك، لكنه لا يحتمل أن يراك بالحجم الذي أنت عليه.

فالغيرة لا تظهر دائمًا في صورة منافسة مباشرة، أحيانًا تظهر في صورة تشكيك، وتحقير، وانتقاد لكل تفصيلة، ومحاولات متكررة لإفساد فرحتك بما تحققه.

قد لا يستطيع أحدهم أن يمتلك حضورك، فيحاول إقناعك بأن حضورك عادي. وقد لا يمتلك ثقتك، فيصفك بالغرور. وقد لا يستطيع الوصول إلى ما تسعى إليه، فيسخر من طموحك. وقد لا يملك ما يميزك، فيبحث عن عيب ينتقص به منك.

إنها محاولة لتعديل ميزان المقارنة نفسيًا، حين يعجز أصحابها عن تعديل واقعهم عمليًا.

لكن السؤال الحقيقي: لماذا تمنح شخصًا لا يستطيع تهذيب نفسه سلطة هدم ثقتك بنفسك؟

الثقة بالنفس ليست غرورًا، وليست ادعاءً للكمال، وليست إنكارًا لأخطاء الإنسان. إنها أن تعرف قيمتك دون أن تتعالى على أحد، وأن تدرك تميزك دون أن تحتاج إلى إهانة الآخرين، وأن تحب جمالك وحضورك ونجاحك دون أن تشعر بالذنب لأن غيرك لا يمتلك ما تمتلكه.

نعم، من حقك أن تعتز بجمالك، وبأناقتك، وبذكائك، وبشخصيتك، وبمكانتك، وبكل إنجاز وصلت إليه بجهدك. ليس مطلوبًا منك أن تتواضع لدرجة إنكار نعمك، ولا أن تتظاهر بأنك لا ترى تميزك كي لا تزعج من لا يستطيعون تقبله.

التواضع أن تعرف قيمة الآخرين، وليس أن تنكر قيمتك!

والأكثر خطورة أن بعض الأشخاص لا يريدون فقط أن يقللوا منك، بل يريدون استنزافك في معارك نفسية لا تنتهي؛ يجبرونك على التبرير، ويدفعونك إلى الدفاع عن اختياراتك، ويضعونك باستمرار في موقف من يحاول إثبات أنه يستحق ما لديه.

وهنا انتبه: أنت لست في محكمة، وحياتك ليست جلسة مرافعة، ونجاحاتك ليست متهمًا مطالبًا بإثبات براءته!

لا تشرح كثيرًا، لا تكشف كل أوراقك، لا تعرض أحلامك على من اعتادوا السخرية منها، ولا تمنح كل عابر حق تقييم شخصك أو مظهرك أو اختياراتك.

ليس كل رأي يستحق الرد، وليس كل استفزاز يستحق الالتفات، وليس كل من اقترب منك يستحق معرفة تفاصيلك.

تعلم أن تضع حدودًا، وأن تنسحب من العلاقات التي تستنزفك، وأن تميز بين من ينتقدك ليطورك ومن ينتقدك ليكسرك.

ولا تنشغل بمحاولة كشف نوايا الجميع؛ راقب السلوك، واحكم على الأفعال، واحمي مساحتك النفسية.

فمن يضايقه نورك، لن تطمئنه إذا أطفأت نفسك، بل سيبحث عن شيء آخر ينتقده فيك!

وهنا نعود إلى السؤال الذي يحمل فلسفة المقال كلها:

هل يضر النهر كوب ماء؟

هل يتوقف البحر لأن أحدهم لا يعترف باتساعه؟ هل تفقد الشمس قيمتها لأن عينًا أغمضت جفونها عن ضوئها؟ وهل يصبح الذهب أقل قيمة لأن شخصًا لا يملك ثمنه قرر أن يصفه بأنه معدن عادي؟

بالطبع لا!

القيمة لا تتغير بتغير آراء الناس، والحضور لا يُلغى بإنكار الحاقدين، والتميز لا يفقد معناه لأن أحدهم قرر أن يتجاهله.

لا تسمح لأحد أن يحوّل غيرته منك إلى عقدة بداخلك، ولا أن يحوّل انتقاداته إلى مرآة ترى نفسك من خلالها.

كن واثقًا، أنيقًا في حضورك، قويًا في موقفك، ثابتًا في طموحك، وهادئًا أمام محاولات الاستفزاز.

ولا تجعل هدفك أن تثبت للآخرين أنك أفضل منهم؛ اجعل هدفك أن تكون أفضل من نسختك السابقة.

فالحياة أكبر من معارك إثبات الذات، والوقت أثمن من أن يُهدر في إقناع من لا يريد أن يقتنع.

وفي النهاية، أقول لكل من يحاول التقليل من إنسان بسبب غيرته من حضوره أو نجاحه أو جمال طلته أو تميزه:

بدلًا من أن تنفق طاقتك في محاولة إطفاء شمعة غيرك، أشعل شمعتك. فالعالم لا يحتاج إلى ظلام إضافي، ولا ينقصه من يحارب الآخرين كي يشعر بالتفوق.

أما أنت، فلا تنشغل بالكوب وأنت نهر، ولا تتوقف عند ضفة لأن عابرًا شكك في اتجاه جريانك.

امضِ.. فالبحر لا ينتظر إذن أحد كي تصله الأنهار.

لا تصغر نفسك كي تتسع نفوس الآخرين لك.. ولا تعتذر عن نورك لأن هناك من اعتاد العيش في الظلام .