×

محمد هاشم يكتب المحمول فيه سم قاتل

الأربعاء 2 سبتمبر 2026 05:57 مـ 19 ربيع أول 1448 هـ
محمد هاشم
محمد هاشم

المحمول في أيدينا جميعا، والكاميرا صارت أقرب إلينا من أي وقت مضى، حتى أصبح توثيق ما يحدث حولنا سلوكا يوميا، وأحيانا غريزة تلقائية تسبق التفكير.. تقع واقعة، يبدأ الشجار، يحدث تجاوز، أو نرى جريمة، فتخرج الهواتف سريعًا للتصوير، وكأن الكاميرا أصبحت عينا إضافية للمجتمع، ترصد وتسجل وتوثق.
لا أحد يعترض على التصوير في ذاته، ولا يمكن إنكار الدور المهم الذي لعبته كاميرات الهواتف في كشف جرائم وتجاوزات، وتوثيق وقائع ربما كان من الصعب إثباتها لولا صورة أو مقطع فيديو.. أحيانا تكون الصورة دليلا، والتسجيل شهادة، والتوثيق وسيلة لردع متجاوز أو كشف جريمة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحق المشروع في التوثيق إلى فوضى في التصوير، وإلى اعتقاد شائع بأن كل ما تقع عليه العين يجوز تصويره، وأن كل ما صُوّر يجوز نشره، وأن مواقع التواصل الاجتماعي هي المحكمة والنيابة والإعلام في آن واحد.
هناك خيط رفيع جدا يفصل بين تصوير جريمة أو تجاوز من أجل الإبلاغ عنها وبين تصوير إنسان في لحظة ضعف أو انكسار أو خصوصية، ثم نشر صورته والتشهير به على الملأ. ليس كل ما يمكن تصويره يجوز تصويره، وليس كل ما يجوز تصويره يجوز نشره.
والأخطر أن بعض الناس يتعاملون مع كاميرا الهاتف باعتبارها رخصة لاقتحام عورات الآخرين، وكشف أسرار البيوت، وتصوير لحظات خاصة، ومطاردة الناس بعدسات الهواتف في أكثر لحظاتهم حرجا، ثم إلقائهم إلى فضاء إلكتروني لا يرحم ولا ينسى.
هنا لا نتحدث فقط عن قانون أو لائحة أو حق في التصوير، وإنما عن وعي وضمير. فالمجتمع الذي يحترم خصوصية أفراده لا يتحول إلى جمهور متلصص، ولا يجعل من فضائح الناس مادة للفرجة والتداول.
التوثيق المسؤول فضيلة حين يكون هدفه حماية الناس وكشف الجريمة، لكنه يتحول إلى اعتداء حين يصبح هدفه التشهير أو الإثارة أو انتهاك الخصوصية.
نحتاج إلى أن نتعلم استخدام الكاميرا قبل أن نتعلم تشغيلها، أن نسأل أنفسنا، قبل الضغط على زر التسجيل.. هل أوثق جريمة.. أم أقتحم حياة إنسان؟
فبين الأمرين خيط رفيع، اسمه الوعي، ووراءه دين ومجتمع وكرامة إنسان.