المغرب في الصحافة الفرنسية.. شريك استراتيجي يتجاوز حسابات المتوسط وأوروبا
باريس: تكشف التغطية الفرنسية للمغرب عن تحول لافت في نظرة الإعلام الفرنسي إلى المملكة، التي لم تعد تظهر باعتبارها مجرد شريك تاريخي لباريس أو طرفاً في ملفات الهجرة والأمن، وإنما كدولة ذات وزن متزايد في الحسابات الفرنسية والأوروبية والأفريقية.
ويبرز هذا التحول بصورة خاصة في تناول العلاقات الفرنسية المغربية، التي انتقلت خلال العامين الماضيين من مرحلة التوتر إلى إعادة بناء شراكة سياسية واستراتيجية، عقب إعلان باريس في عام 2024 دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً وحيداً وواقعياً لتسوية قضية الصحراء.
وسلطت صحيفة «لوموند» الضوء على هذا التقارب خلال تغطيتها زيارة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط في يوليو الماضي، معتبرة أن الزيارة تستهدف ترسيخ التقارب بين باريس والرباط، وربطت هذا المسار بالموقف الفرنسي الجديد من قضية الصحراء.
ولا تتوقف أهمية المغرب في الرؤية الفرنسية عند ملف الصحراء، إذ تتسع أجندة العلاقات لتشمل الأمن والهجرة والاستثمار والتعاون الاقتصادي والدور المغربي المتنامي في القارة الأفريقية.
وتبرز المملكة بصورة متزايدة باعتبارها حلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا، في ظل تنامي استثماراتها وشبكاتها الاقتصادية بالقارة، إلى جانب موقعها الجغرافي واتفاقيات التجارة التي تمنحها قدرة على جذب استثمارات دولية، بينها استثمارات آسيوية وأوروبية وصينية.
ويكتسب الدور المغربي أهمية إضافية في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دول منطقة الساحل، ما يدفع باريس إلى البحث عن شركاء إقليميين قادرين على التعاون معها في ملفات الأمن والتنمية والاقتصاد.
ويمثل المغرب، بحكم موقعه وعلاقاته الأفريقية وشبكاته الاقتصادية، أحد أبرز الشركاء المحتملين لفرنسا في هذا السياق، خصوصاً مع تنامي حضوره في القارة وتوسّع علاقاته الاقتصادية والسياسية مع عدد من الدول الأفريقية.
وفي السياق ذاته، شهد التعاون الفرنسي المغربي تحولاً على مستوى الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث اتجهت باريس إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والمؤسساتي في المنطقة، بالتزامن مع موقفها الداعم لمغربية الصحراء ومقترح الحكم الذاتي.
كما بات ملف الهجرة، الذي كان أحد أبرز مصادر التوتر بين البلدين، يُطرح بصورة أكبر في إطار التعاون الأمني والقضائي، في ظل إدراك متبادل لأهمية التنسيق بين باريس والرباط في مواجهة التحديات الأمنية والهجرة غير النظامية.
وتبدو المعادلة الحالية أكثر براغماتية، إذ تسعى فرنسا إلى الاستفادة من الدور المغربي في ملفات الأمن والهجرة وأفريقيا، بينما تعمل الرباط على تحويل الموقف السياسي الفرنسي من قضية الصحراء إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع.
وتحضر الجزائر بدورها في الحسابات الفرنسية المغربية، إذ أثار التقارب بين باريس والرباط توتراً في العلاقات الفرنسية الجزائرية، ما يزيد من تعقيدات السياسة الفرنسية تجاه القوتين المغاربيتين.
وفي المقابل، يمتلك المغرب هامشاً أوسع في علاقاته الدولية، في ظل تطوير شراكاته مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج وإسرائيل، وهو ما يمنحه خيارات متعددة ويعزز قدرته على التفاوض مع شركائه الأوروبيين.
وتشير هذه التحولات إلى أن التقارب الفرنسي المغربي يتجاوز مفهوم المصالحة الدبلوماسية، ليعكس إعادة تعريف للعلاقة بين البلدين في ضوء تنامي الدور المغربي إقليمياً ودولياً.
كما يعكس التقارب جانباً من إعادة توزيع النفوذ في غرب المتوسط وأفريقيا، في ظل منافسة متزايدة بين قوى دولية وإقليمية، من بينها الصين والولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج.
وتظهر المملكة في التغطية الفرنسية بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية التي كانت تختزل علاقتها بفرنسا في ملفات الهجرة والأمن والصحراء، إذ بات المغرب يُنظر إليه باعتباره شريكاً استراتيجياً يمتلك موقعاً جيوسياسياً واقتصادياً متزايد الأهمية بالنسبة إلى فرنسا وأوروبا، فيما يعكس التحول في العلاقات تغيراً في وزن المملكة داخل الحسابات الفرنسية والأوروبية.
