30 يونيو.. الأزهر والكنيسة في مواجهة الاستقطاب وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية
لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو مجرد حدث سياسي عابر، بل شكلت محطة فارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، بعدما خرج ملايين المصريين للتعبير عن رفضهم لحالة الاستقطاب التي شهدتها البلاد، والتمسك بمفهوم الدولة الوطنية الجامعة لكل أبنائها.
وشهد العام السابق للثورة حالة من الانقسام المجتمعي، تصاعد خلالها الجدل حول طبيعة العلاقة بين الدين والعمل السياسي، بعد انتشار خطابات حاولت توظيف الشعارات الدينية في المنافسات السياسية، وهو ما دفع المؤسسات الدينية المصرية إلى التأكيد على ضرورة الفصل بين الدعوة الدينية والعمل الحزبي، ورفض استخدام الدين كأداة للصراع أو الإقصاء.
وفي تلك المرحلة، لعب الأزهر الشريف دورًا بارزًا في الدعوة إلى الحفاظ على وحدة الوطن ورفض العنف والانقسام، مؤكدًا أن الدين أكبر من أن يُختزل في جماعة أو حزب، وأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها يمثل مسؤولية وطنية وشرعية.
كما شارك الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في اجتماع إعلان خارطة الطريق في الثالث من يوليو 2013، في موقف عكس حرص المؤسسة الأزهرية على دعم استقرار البلاد وتجنيب المجتمع مزيدًا من الصراعات.
ولم يقتصر دور الأزهر على المواقف السياسية خلال تلك المرحلة، بل امتد إلى مواجهة الفكر المتطرف وبناء الوعي، من خلال مؤسساته المختلفة، وفي مقدمتها مجمع البحوث الإسلامية ومرصد الأزهر لمكافحة التطرف، عبر جهود تستهدف تصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة استغلال الدين لتحقيق أهداف تنظيمية أو سياسية.
وفي المقابل، أكدت الكنيسة المصرية موقفها الوطني خلال أحداث الثلاثين من يونيو، حيث شارك البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في إعلان خارطة الطريق، مؤكدًا أن الحفاظ على الدولة المصرية هو الضمان الحقيقي لجميع أبنائها.
وتعرضت الكنائس والمنشآت التابعة لها بعد تلك الأحداث لاعتداءات وأعمال تخريب في عدد من المحافظات، إلا أن الكنيسة تمسكت بخطابها الوطني، رافضة دعوات الانتقام، ومؤكدة أن وحدة الوطن واستقراره تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
وكشفت أحداث الثلاثين من يونيو عن توافق تاريخي بين الأزهر والكنيسة حول عدد من المبادئ، أبرزها رفض العنف، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتعزيز قيم المواطنة، والتأكيد على أن الاختلاف الديني أو الفكري لا يجب أن يتحول إلى صراع داخل المجتمع.
وبعد مرور سنوات على الثورة، استمرت جهود المؤسسات الدينية في معركة بناء الوعي ومواجهة التطرف، من خلال تطوير الخطاب الديني، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش، والتأكيد على أن حماية الدولة تبدأ ببناء الإنسان وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة.
وتظل ثورة الثلاثين من يونيو علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث، لما طرحته من قضايا تتعلق بهوية الدولة وطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، وأهمية تكاتف المؤسسات الوطنية للحفاظ على استقرار المجتمع ووحدته.
