شيماء صلاح تكتب:- الملف الأمني.. حكاية بدأت من بيتنا
هناك أشخاص يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون داخلنا أثرًا لا يرحل أبدًا. يظلون حاضرون في تفاصيل أيامنا، وفي قراراتنا، وفي كل خطوة نخطوها نحو أحلامنا. بالنسبة لي، كان هذا الشخص هو أبي... رحمه الله.
في أول مقال أكتبه، لم أجد اسمًا يستحق أن أبدأ به أكثر من اسمه. لم يكن مجرد أب، بل كان السند الأول، والداعم الحقيقي، وصاحب الفضل في تكوين شخصيتي، حتى وإن لم يكن يعلم وقتها إلى أين ستأخذني الحياة.
رحل أبي منذ سنوات، لكنني لم أشعر يومًا أنه غاب. على العكس، أشعر به في كل نجاح أحققه، وفي كل خطوة جديدة أخطوها. أحيانًا، عندما أنتهي من كتابة خبر أو تحقيق صحفي، يراودني إحساس غريب بأنه يراني الآن، يقرأ ما أكتب، ويبتسم بفخر، وكأنه يقول لي: "كم أنا سعيد بما وصلتِ إليه."
لم يكن حبي للصحافة، وتحديدًا للملف الأمني، وليد الصدفة أو مجرد اختيار مهني. هذا الحب بدأ منذ طفولتي، حين كنت أرى أبي، أحد أبناء المؤسسة العسكرية، يرتدي بدلته بكل شموخ وانضباط. كنت أراقبه وهو يستعد للخروج إلى عمله، وأرى في عينيه معنى الواجب والانتماء والمسؤولية، حتى وإن كنت صغيرة على فهم كل هذه المعاني.
كبرت، لكن تلك المشاهد بقيت محفورة في ذاكرتي. وبعد رحيله، أصبحت كل بدلة عسكرية أراها تذكرني به. وعندما ألتقي بالسادة الضباط أو أتابع أخبارهم، ينتابني شعور يصعب وصفه، وكأنني أرى جزءًا من أبي بينهم، أو كأن روحه ما زالت تحيطني من خلالهم.
لهذا السبب، لم يكن الملف الأمني بالنسبة لي مجرد تخصص صحفي أو مصدر أخبار أتابعه يوميًا. بالنسبة لي، هو رسالة أحملها بكل حب واحترام، لأنني أشعر أن كل خبر أكتبه في هذا المجال يحمل شيئًا من ذكراه، وشيئًا من القيم التي زرعها داخلي منذ الصغر.
تعلمت من أبي، حتى بعد رحيله، أن احترام أصحاب الواجب ليس مجرد كلمات، بل تقدير حقيقي لكل من يحمل مسؤولية حماية الوطن. لذلك كنت دائمًا أحرص على أن أكتب بضمير، وأن أتحرى الدقة، وأن أكون على قدر المسؤولية، لأنني أشعر أن اسمه يسبق اسمي في كل سطر أكتبه.
لم يكن أبي حاضرًا ليشهد أول يوم عمل لي، ولا أول خبر نشر باسمي، ولا اللحظات التي شعرت فيها أنني بدأت أصنع لنفسي مكانًا في هذه المهنة. لكنني مؤمنة أنه كان حاضرًا بطريقة أخرى. حاضرًا بدعائه الذي ترك أثره، وبالقيم التي غرسها في داخلي، وبالطريق الذي رسم ملامحه دون أن يقصد.
كل نجاح وصلت إليه، وكل كلمة شكر سمعتها، وكل خطوة تقدمت بها، كنت أتمنى أن يكون أول من يسمع عنها. كنت أتمنى أن أرى نظرة الفخر في عينيه، وأن يخبر الجميع: "هذه ابنتي." لكن عزائي الوحيد أنني أشعر، في أعماقي، أنه يعلم... وأنه فخور.
اليوم، وأنا أكتب أول مقالاتي، لا أعتبره مجرد مقال صحفي، بل رسالة وفاء لرجل صنع داخلي الكثير قبل أن يرحل. رسالة امتنان لأب كان أعظم نعمة في حياتي، وما زال، رغم الغياب، السبب الأول وراء إصراري على النجاح.
إلى روح أبي... رحمك الله رحمة واسعة. كل حرف أكتبه، وكل إنجاز أحققه، وكل خطوة أخطوها في طريقي المهني، أهديها إليك. وإن كان لي من حلم أسعى إليه، فهو أن أظل دائمًا كما تمنيتني، وأن أبقى ابنتك التي تفخر بها، في الدنيا، وفي السماء
