×

مفتي الجمهورية: الفتوى «إدارة لدفة الحياة» ونحتاج إلى اجتهاد مقاصدي لحماية الأسرة من تحديات العصر

الأربعاء 2 سبتمبر 2026 07:11 مـ 19 ربيع أول 1448 هـ
جانب من اللقاء
جانب من اللقاء

أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الدولة المصرية أدركت مبكرًا حجم التحديات التي تواجه الأسرة، واتخذت خطوات حاسمة لدعم استقرارها، من بينها تطوير قوانين الأحوال الشخصية، وإنشاء صندوق دعم الأسرة، ودعم الأبناء بعد الانفصال، وسرعة تنفيذ أحكام النفقات، إلى جانب تعزيز برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والمادي للمقبلين على الزواج.

جاء ذلك خلال كلمة مفتي الجمهورية في افتتاح المؤتمر العالمي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».

وقال مفتي الجمهورية إن عنوان المؤتمر صيغ وفق بناء منهجي يجمع بين أربعة محددات رئيسية، هي التحديات الأسرية، والتحولات الكبرى، وحماية الأسرة واستشراف مستقبلها، وصيانة الهوية، بهدف تقديم النموذج الحضاري الإسلامي للعالم في التعامل مع قضايا الأسرة ومواجهة الأزمات الاجتماعية.

وأكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم النموذج الأكمل في التعامل مع الأسرة، إذ كان خير الناس لأهله، وأقام بيته على المودة والرحمة وحسن العشرة، مشيرًا إلى أن الاحتفاء الحقيقي بمولده الشريف يتمثل في تحويل هديه إلى سلوك عملي داخل البيوت ومنهج لتربية الأبناء وإدارة الخلافات الأسرية.

وحذر مفتي الجمهورية من أن الأسرة تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، في ظل ما وصفه بـ«السيولة الفكرية» والانفتاح الرقمي المتسارع، مؤكدًا أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية باتت تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

وأشار إلى أن التقنية لم تعد مجرد وسيلة محايدة، بل أصبحت في بعض الأحيان أداة لإعادة تشكيل القيم والاختيارات، بما أدى إلى انتقال جانب من المرجعية التربوية من الوالدين إلى المنصات الرقمية، الأمر الذي قد يضعف الحوار الأسري ويعزز العزلة والفردانية.

كما حذر من خطورة المحتوى المتداول عبر الفضاءات الرقمية المغلقة، وفي مقدمتها «الدارك ويب»، وما قد يتضمنه من ممارسات ومحتويات تهدد أمن الأسرة وتستهدف الأبناء بعيدًا عن الرقابة المجتمعية.

ولفت إلى أن تراجع الحدود بين الحقيقة والزيف والعلم والوهم أصبح من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات، خاصة مع قدرة المحتوى الأكثر انتشارًا على التأثير في الوعي بصورة تفوق أحيانًا المحتوى الأكثر صدقًا ورشدًا.

وأكد مفتي الجمهورية أن من أبرز المخاطر سلب المرجعية التربوية من الوالدين لصالح منصات وخوارزميات رقمية، ما قد يؤدي إلى تشكيل معايير الأبناء القيمية بعيدًا عن الهوية الدينية والثقافية للمجتمع.

وتناول فضيلته ما وصفه بـ«تسليع العلاقات»، حيث أصبحت بعض العلاقات الإنسانية والزوجية تُقاس بمنطق الربح والخسارة، الأمر الذي أدى إلى تشويه عدد من المفاهيم الأسرية والشرعية، بالتزامن مع تصاعد الدعوات للعزوف عن الزواج وارتفاع تكاليفه والمغالاة في مظاهره.

وقال إن دار الإفتاء المصرية، بما تمتلكه من إرث مؤسسي يمتد لأكثر من 130 عامًا، تنطلق من رؤية تعتبر أن الفتوى ليست مجرد إجابة عن سؤال، وإنما تمثل «إدارة لدفة الحياة» في ضوء الوحي الشريف وفهم الواقع.

وأضاف أن المؤسسة انتقلت من مجرد التعامل مع النزاعات بعد وقوعها إلى ما وصفه بـ«الفقه الاستباقي»، الذي يهتم بمعالجة الأسباب قبل وقوع النتائج، ورصد المآلات وتحصين العقول والوعي قبل تعرضها للمحتوى المضلل.

وأوضح مفتي الجمهورية أن خارطة الطريق الإفتائية لمواجهة التحولات الراهنة تقوم على أربعة أسس رئيسية، أولها تفعيل الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة، بما يحقق التوازن بين ثوابت الدين ومتغيرات العصر.

ودعا إلى تدريس مادة «الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة» لطلاب كليات الشريعة الإسلامية في مرحلتي الدراسة الجامعية والدراسات العليا، بهدف إعداد جيل من المفتين القادرين على تقديم فتوى رشيدة تجمع بين أصالة النص وفهم الواقع.

ويتمثل المحور الثاني في خوض معركة الوعي الرقمي من خلال إنتاج محتوى فقهي وعلمي موثوق ومبسط بلغات متعددة، قادر على تقديم المفاهيم الأسرية بصورة معاصرة، ليكون مرجعًا موثوقًا لمحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

أما المحور الثالث فيقوم على تصحيح المفاهيم الأسرية الخاطئة ومواجهة خطابات التشدد والإلحاد الرقمي بخطاب وسطي ورحيم، إلى جانب تكثيف برامج التأهيل قبل الزواج والإرشاد الأسري بعده، واستعادة مساحات الحوار داخل الأسرة.

وشدد على أهمية وضع حدود واعية لاستخدام الوسائل والمنصات الرقمية، بما يعيد للأبناء الثقة في الأسرة باعتبارها مصدرًا للحماية والأمان والمرجعية.

ويتمثل المحور الرابع في إطلاق شراكات مؤسسية عابرة للتخصصات، تجمع علماء الشريعة مع خبراء الاجتماع والنفس والتربية والتقنية والإعلام والقانون، مؤكدًا أن الواقع المعقد لا يمكن التعامل معه من خلال حلول أحادية.

وفي ختام كلمته، أكد مفتي الجمهورية ضرورة خروج المؤسسات من العمل المنعزل، والاعتماد على عقل جمعي مؤسسي يجمع بين أصالة النص وعمق التحليل وفهم الواقع الرقمي.

وشدد على أن حماية الأسرة تتطلب رؤية إفتائية مستجدة تستشرف المستقبل، وتجمع بين الاستنباط الفقهي وعلوم الطب والنفس والاجتماع والتقنية والقانون، بهدف تقديم حماية تسبق الخطر وعلاج يصل إلى جذور المشكلات، والحفاظ على هوية قادرة على الانفتاح على العصر دون الذوبان فيه.