×

خلف كل طالب حكاية أم لا تُهزم.. أمهات الثانوية العامة يخضن امتحانًا آخر خارج اللجان

الثلاثاء 23 يونيو 2026 03:30 مـ 7 محرّم 1448 هـ
خلف كل طالب حكاية أم لا تُهزم.. أمهات الثانوية العامة يخضن امتحانًا آخر خارج اللجان

لم تكن مقاعد لجان الثانوية العامة وحدها شاهدة على الامتحانات، فخارج الأسوار كان هناك امتحان آخر بطلاته الأمهات والجدات، امتحان لا تُقاس درجاته بالأرقام، بل بالصبر والانتظار والدعاء.

منذ الساعات الأولى من الصباح، توافدت أمهات الطلاب إلى محيط المدارس، يحملن في قلوبهن مزيجًا من القلق والأمل، ينتظرن لحظة خروج أبنائهن من اللجان للاطمئنان عليهم ومعرفة كيف مر يوم جديد من رحلة الثانوية العامة.

وبينما كان الطلاب داخل اللجان منشغلين بالإجابة عن الأسئلة، كانت الأمهات في الخارج تتابعن عقارب الساعة، تحسبن الدقائق والثواني، وكأنهن يخضن امتحانًا خاصًا بهن عنوانه الخوف على الأبناء.

بعض الأمهات جلسن تحت ظل الأشجار هربًا من حرارة الشمس، وأخريات افترشن الأرصفة لساعات طويلة، غير عابئات بالإرهاق أو مشقة الانتظار، فكان الهدف واحدًا: استقبال الأبناء بعد انتهاء الامتحان بابتسامة تطمئنهم وتمنحهم القوة لاستكمال المشوار.

مشهد إنساني يتكرر مع كل موسم للثانوية العامة، لكنه لا يفقد تأثيره، فخلف كل طالب يدخل لجنة الامتحان تقف أم تحمل سنوات من التعب والسهر والدعم، تنتظر لحظة نجاح ثمرة هذا الجهد.

جدة أدهم.. رحلة عمر من التضحية والرعاية

ومن بين عشرات الوجوه المنتظرة أمام اللجان، خطفت إحدى الجدات الأنظار وهي تجلس أمام بوابة مدرسة الجيزة الثانوية الرياضية، تتابع الوقت في صمت وتنتظر خروج حفيدها أدهم شريف عبد العزيز، طالب الشعبة الأدبية.

لم تكن الجدة مجرد مرافقة لحفيدها في يوم امتحانه، بل كانت شريكته في رحلة حياة كاملة، بعدما حملت مسؤولية تربيته منذ أن كان عمره 3 أشهر، عقب وفاة والده إثر إصابته بمرض السرطان وهو في سن 28 عامًا.

وقالت الجدة إنها ظلت بجوار حفيدها طوال سنوات عمره، ترافقه في الدراسة والامتحانات، مؤكدة: "الحمد لله ربنا عوضني بأدهم، ومن يوم ما كان طفل صغير وأنا معاه في كل خطوة لحد ما وصل للثانوية العامة".

وأضافت أنها لم تتخلَّ عنه يومًا، قائلة: "دايمًا حريصة أوصله الامتحانات وأرجعه، وماسبتوش لحظة، وربنا يوفقه هو وزمايله وينجحهم بتفوق".

وبمشاعر امتزج فيها الحب والفخر، وجهت رسالة لحفيدها قائلة: "يا أدهم أنت مش حفيدي بس، أنت ابني وأخويا وصاحبي وحبيبي، وربنا عوضني بيك عن باباك وعن جدك الله يرحمهم، ونفسي أشوفك في جامعة القاهرة".

كما وجهت نصيحة لكل الأمهات في هذه المرحلة، مؤكدة أهمية القرب من الله، ودعم الأبناء، والصبر عليهم، متمنية لجميع الطلاب النجاح والتوفيق.

أم أيمن.. 17 عامًا من الصمود

وعلى بعد خطوات من اللجنة، تكررت قصة أخرى من الصبر والتضحية مع والدة الطالب أيمن عزت، التي وقفت بجوار نجلها بعد رحيل والده منذ 17 عامًا، لتصبح له الأب والأم في آن واحد.

وقالت الأم: "أيمن باباه متوفي بقاله 17 سنة، فأنا أب وأم.. ما بسيبوش يروح دروسه أو امتحاناته لوحده، لأن أنا مليش إلا هو في الدنيا".

وأكدت أن وجودها أمام اللجنة يمنح نجلها شعورًا بالأمان، مضيفة: "بيفرح لما يلاقيني قدامه، لأنه فاقد إن أبوه يكون واقف مستنيه".

وتحدثت عن فترة الاستعداد للامتحانات قائلة: "والله ما كانش بينام"، متمنية أن يحقق حلمه ويلتحق بكلية تساعده على خدمة وطنه.

واختتمت حديثها بالدعاء لكل الطلاب والأمهات: "ربنا يعين كل أم، ويوفقهم وينجحهم ويحقق لهم كل اللي نفسهم فيه".

أم أشرف.. حلم الهندسة ودعوات لا تنقطع

أما والدة الطالب أشرف السيد، التي وقفت أمام مدرسة السعيدية، فاختصرت بكلماتها مشاعر آلاف الأسر التي تعيش أجواء الثانوية العامة.

وقالت: "ربنا يوفقهم جميعًا ويجعل الصعب سهل.. إحنا تعبنا من التوتر والقلق، والبيت مكنش فيه لحظة راحة بسبب المذاكرة والدروس اللي كانت واخدة كل وقتنا".

وأضافت أن نجلها في شعبة علمي رياضة، وأن حلم الأسرة التحاقه بكلية الهندسة، لكنها أكدت رضاها بما يكتبه الله قائلة: "المهم ربنا يكلل مجهودهم وما يضيعش تعب حد، لا طلبة ولا أمهات".

وتابعت: "إحنا معاه في كل خطوة، وواقفين مستنيين كرم ربنا الكبير يفرّح قلوبنا ويجبر بخاطرنا".

امتحان خارج اللجان لا ينتهي بالدرجات

بين جدة حملت مسؤولية حفيدها منذ الشهور الأولى من عمره، وأم واجهت الحياة وحدها بعد فقدان زوجها، وأمهات علّقن أحلامهن على نجاح أبنائهن، تتجسد قصص لا تُكتب في أوراق الامتحانات.

داخل اللجان كان الطلاب يجيبون عن الأسئلة، أما خارجها فكانت الأمهات والجدات يخضن امتحانًا من نوع آخر؛ امتحان الصبر والخوف والأمل.

ومع كل طالب يخرج من اللجنة، لا تكون الفرحة مرتبطة فقط بدرجات الامتحان، بل تمتد إلى قلوب نساء انتظرن طويلًا، وحملن على أكتافهن سنوات من التعب والدعم والدعاء.

ويبقى المشهد الأصدق في الثانوية العامة: خلف كل طالب ناجح.. أم خاضت معه رحلة الكفاح حتى النهاية.