مقابر الأرقام.. حين تمتد الانتهاكات الإسرائيلية إلى حرمة الموتى
تتوقف تداعيات الحرب في قطاع غزة عند الأحياء، بل امتدت إلى المقابر وجثامين الضحايا، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل بانتهاك حرمة الموتى وتدمير عشرات المقابر خلال العمليات العسكرية، في مشهد يفتح ملف الجثامين المحتجزة وما يعرف بـ«مقابر الأرقام».
وخلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تضررت عشرات المقابر، بحسب الإحصاءات الفلسطينية الواردة في المادة، بين تدمير كلي وجزئي، ما أثار انتقادات واسعة بشأن التعامل مع المدافن والجثامين، وطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بالقواعد التي يفرضها القانون الدولي الإنساني في أوقات النزاعات المسلحة.
جثامين بلا أسماء
ويحل 27 أغسطس من كل عام اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، بينما لا يزال ملف الجثامين المحتجزة لدى إسرائيل يمثل قضية إنسانية وقانونية شديدة الحساسية.
وتشير البيانات الفلسطينية الواردة في المادة إلى احتجاز جثامين فلسطينيين، من بينهم أسرى توفوا خلال الحرب، فيما ارتبط مصطلح «مقابر الأرقام» بمدافن تميز قبور أصحابها بأرقام بدلًا من أسمائهم.
وتوصف هذه المقابر بأنها مناطق مغلقة، وتحيط بها قيود على الوصول إليها، بينما تحتفظ الجهات الإسرائيلية بملفات تتضمن معلومات عن أصحاب الجثامين.
ويحمل كل قبر رقمًا يشير إلى ملف خاص بصاحبه، وهو ما جعل هذه المدافن تعرف إعلاميًا باسم «مقابر الأرقام»، في إشارة إلى حرمان الجثمان من أن يكون قبره موثقًا باسم صاحبه ومعلوم المكان لأسرته.
القانون الدولي وحرمة الموتى
يضع القانون الدولي الإنساني قواعد واضحة للتعامل مع جثامين الأشخاص الذين يلقون حتفهم أثناء النزاعات المسلحة، ويؤكد ضرورة احترام الموتى والحفاظ على كرامتهم، فضلًا عن تحديد هوياتهم وتوثيق أماكن دفنهم.
وتتضمن اتفاقية جنيف الرابعة أحكامًا بشأن دفن المتوفين باحترام، والحفاظ على المقابر وصيانتها وتمييزها بما يسمح بالاستدلال عليها، إلى جانب تبادل المعلومات الخاصة بالمتوفين وإبلاغ عائلاتهم.
كما يتناول البروتوكول الإضافي الأول قواعد البحث عن المفقودين والمتوفين، وانتشال الجثامين والتعرف عليها، بما يضمن حق الأسر في معرفة مصير ذويها.
حق الأسر في معرفة المصير
لا يتعلق ملف الجثامين المحتجزة بالدفن فقط، وإنما يمتد إلى حق الأسر في معرفة مصير أبنائها والحصول على معلومات بشأن أماكن وجودهم وأسباب وفاتهم.
وتزداد أهمية هذا الحق في حالات النزاعات المسلحة، حيث يمكن أن يؤدي غياب المعلومات أو عدم تسليم الجثامين إلى استمرار معاناة الأسر لسنوات طويلة، فضلًا عن صعوبة إغلاق الملفات الإنسانية والقانونية المرتبطة بالضحايا.
وتنص القواعد الدولية على ضرورة توفير معلومات تساعد على تحديد هوية المتوفى وإبلاغ أسرته، إلى جانب توثيق بيانات الوفاة ومكان الدفن، بما يحفظ كرامة الموتى وحقوق ذويهم.
ملف مفتوح منذ عقود
ولا يرتبط ملف الجثامين الفلسطينية المحتجزة بالحرب الأخيرة وحدها، إذ تقول بيانات فلسطينية إن بعض الجثامين محتجزة منذ عقود، في ظل استمرار المطالبات بالكشف عن مصيرهم واستردادهم وتسليمهم إلى ذويهم.
وتظل «مقابر الأرقام» واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا في هذا الملف، بسبب صعوبة الوصول إلى المدافن وغياب المعلومات الكاملة عن جميع الجثامين المحتجزة.
وبين القوانين الدولية والمطالبات الفلسطينية، يبقى حق العائلات في معرفة مصير أبنائها واسترداد جثامينهم ودفنهم بكرامة قضية إنسانية تتجاوز حدود السياسة والحرب، لتتعلق في جوهرها بكرامة الإنسان وحق أسرته في الوداع الأخير.
